في محاضرة قدمها ضمن فعاليات مركز التسامح بالقاهرة
- خاص عناوين ثقافية/القاهرة
في أجواء رمضانية مميزة يصنعها الحضور السوداني في العاصمة المصرية، قدم الكاتب حسام هلالي محاضرة بعنوان “عن الانتماء والاغتراب” على منصة مركز التسامح بالقاهرة، ضمن سلسلة فعاليات “ليالي سوداني الرمضانية” التي ينظمها المركز. واستهل هلالي محاضرته بتأكيد أن موضوع الانتماء والاغتراب يعد الهاجس الأكبر في حياته، موضحًا أنه يمكن تلخيص حياته طوال 39 عامًا الماضية في هذين المفهومين، وأنهما أكثر الأفكار التي تثير في نفسه دوافع للكتابة، رغم كونهما أيضًا مصدرًا للضغوط النفسية الكبيرة.
يعترف هلالي بأن من أكثر المواقف التي تسبب له الحرج هي عندما يُطلب منه تعريف نفسه أو تحديد مكانه، فهذه الأسئلة تثير في نفسه حيرة عميقة، وأشار إلى أهمية السياق المكاني في موضوع المحاضرة، مؤكدًا أن القاهرة بالنسبة له ليست مجرد مكان للإقامة، بل هي أكثر من ذلك بكثير، ولا سيما في سياق الحرب الحالية بالسودان، لافتًا إلى أن تدفق السودانيين وانتقالهم لبدء حياة جديدة في القاهرة يطرح تساؤلات ومقارنات مستمرة حول وضعهم الحالي كلاجئين، مقارنة بوضع السودانيين قبل الحرب في المكان نفسه. وأكد أنه لم يخطط لهذه المحاضرة لتكون مجرد عرضًا نظريًا لمفاهيم الانتماء والاغتراب والهوية والثقافة من وجهة نظر الفلاسفة والمفكرين فقط، بل سيستعرض أيضًا تجربته الشخصية في القاهرة وخارجها، مستخدمًا الأحداث وسيرته الذاتية.
تحولات العيش في القاهرة
وتطرق هلالي إلى الأسباب التي دفعته لتقديم المحاضرة من هذه الزاوية، موضحًا أنه كشخص عاش ويعيش في القاهرة على فترات متقطعة منذ أكثر من 20 عامًا، صُدم بالتغيرات الديموغرافية التي طرأت على الأماكن التي يعرفها جيدًا، والخطابات التي ظهرت فيها، وضرب مثالًا على ذلك بمنطقة فيصل، التي كانت منذ أكثر من 100 عام منطقة زراعية، وتحولت إلى شوارع وأحياء سكنية مزدحمة، موضحًا أن هذا يبين قدرة القاهرة الكبرى على التمدد عبر القرون، وكيف تتحول المناطق الزراعية إلى مناطق سكنية، ثم تظهر فيها مظاهر جديدة. وعبّر عن شعوره بالتناقض تجاه القاهرة، فهو يشعر أنه يعرف هذه المدينة لكنه يتعامل معها أيضًا للمرة الأولى، وهذا التناقض يسبب له تشويشًا مستمرًا.
مفاهيم نظرية
وانتقل للحديث عن المفاهيم النظرية للانتماء والاغتراب، مشيرًا إلى أنهما سلوك إنساني تتعامل معه علوم مختلفة كعلم النفس والعلوم الاجتماعية. وتناول المعنى اللغوي للانتماء، ثم المعنى الاصطلاحي الذي يشير إلى أن الانتماء هو إحساس الفرد بالارتباط بجماعة، سواء كان هذا الارتباط مكانيًا أو فكريًا.
وعرج على آراء الفلاسفة والمفكرين حول الانتماء، ثم انتقل للحديث عن الاغتراب، موضحًا معناه لغةً ثم اصطلاحًا، باعتبار أن الاغتراب هو شعور الفرد بالعزلة أو الانفصال عن ذاته أو عن مجتمعه أو عن العالم من حوله. وأشار إلى أن للاغتراب أنواعًا مختلفة، منها الاغتراب الاجتماعي، والاغتراب النفسي، والاغتراب الوجودي، والاغتراب المهني.
واستعرض آراء الفلاسفة والمفكرين حول الاغتراب، فذكر أن هيغل يرى أن الاغتراب ضروري لنمو الوعي البشري. وأن كارل ماركس يركز على الجانب الاقتصادي، ويرى أن العمال يشعرون بالاغتراب عندما يفقدون السيطرة على عملهم ومنتجهم. وذكر أن مارتن هايدغر يرى أن الاغتراب مرتبط بطريقة عيش الإنسان في العالم الحديث. وأن جان بول سارتر يرى أن الحرية المطلقة للإنسان هي سبب شعوره بالاغتراب.
جذور الاغتراب
وانتقل هلالي للحديث عن تجربته الشخصية، موضحًا أنه سيشاركها ليس كقصة حياة، بل كجذور لشعوره بالاغتراب. وقال إن جذوره تعود إلى جده عبد المجيد هلالي الذي كان مثالًا للاغتراب، حيث كان حرًا في الحركة، وسافر كثيرًا، وتزوج من خلفيات مختلفة. وأضاف أنه نشأ في السعودية، ولكنه لم يشعر بالانتماء الكامل، وكان يزور السودان في مخيلته فقط، وتابع أنه انتقل إلى القاهرة في عام 2001، وشعر فيها بقرب أكبر من السودان، بسبب التقاء السودانيين من خلفيات مختلفة. وأشار إلى أنه بدأ الكتابة والتعبير عن نفسه، وشعر أن الثقافة السودانية جزء منه، على الرغم من أنه لم يعش فيها وأكد أن تجربته مع الجنسية وجوازات السفر زادت من شعوره بالاغتراب.
تعقيدات الهوية
وتحدث هلالي عن الهوية والثقافة، فأشار إلى أن الهوية معقدة ومتغيرة وغير قابلة للاستبدال (وفقًا لأمين معلوف). وأن الثقافة تتطور وتتحول بتغير الظروف (وفقًا لنصر حامد أبو زيد). وتساءل كيف أصبح سودانيًا، موضحًا أن الثقافة لعبت دورًا كبيرًا في ذلك، من خلال القصص والحكايات والكتب وأن الكتابة كانت وسيلة للتعبير عن نفسه وبناء ذاكرة خيالية عن السودان. ولاحظ أن بعض السودانيين في الخليج يشعرون بالخجل من هويتهم، بسبب الصور النمطية السلبية عن السودان. وأضاف أنه في المدرسة، تعرف على الثقافة المصرية، وشعر بالقرب منها وتابع أنه عندما زار السودان للمرة الأولى، شعر بالدهشة والاختلاف، ولكن أيضًا بالانتماء. وأكد أن الثورة المصرية زادت من شعوره بالانتماء لمصر وأن الحرب في السودان غيرت علاقته بالسودان والقاهرة، وجعلته يدرك معنى الاغتراب.
وفي ختام محاضرته، تحدث هلالي عن الشعور بالاختلاف والغربة، فقال إنه أخيرًا فهم أن والده كان محقًا عندما قرر عدم العودة إلى السودان وأنهم لاحظوا التغيرات التي طرأت على السودان، مثل تطبيق الشريعة والانتفاضات والحروب. وتابع أنه عندما جاء والده لزيارته في عام 2015، كان يفهم تمامًا سبب شعوره بالغربة، لأن السودان الذي يعرفه لم يعد موجودًا. وأكد أنه في نفس الوقت، فهم شعوره بالاغتراب، موضحًا أنه لو قرر العودة إلى الخرطوم، لن تكون الخرطوم التي تخيلها وأحبها. وأضاف أنه يشعر أنه يفقد أوطانه البديلة، ويواجه صعوبة في التنقل بين الدول التي ينتمي إليها ثقافيًا. وتابع أنه واجه صعوبات في دخول بعض الدول بسبب جنسيته السودانية، بينما كان يرى نفسه مصريًا أيضًا.
تجارب وشعور بالتمييز
واختتم هلالي محاضرته بمشاركة بعض تجاربه المتنوعة، فروى تجربته عند سفره لأوروبا مع فرقة مسرحية مصرية، حيث اكتشف موظف السفارة الهولندية جواز سفره السوداني، وبدأ التعامل معه بشكل مختلف، مما جعله يشعر بالتمييز، لكنه أدرك أن القوانين مختلفة. وأضاف أنه بعد الثورة المصرية، زار السودان وتعامل معه بشكل مختلف، وكأنه يشاهد فيلمًا للمرة الثانية. وتابع أنه بعد ذلك، ومع الحرب التي حصلت في السودان، تغيرت علاقته بالسودان والقاهرة، وأصبح مدركًا تمامًا أن الشعور بالاختلاف والغربة قد ينتاب المرء حتى في المدن والأوطان المألوفة. وعبّر عن أمله في أن تكون محاضرته قد ساهمت في فهم أعمق لمفاهيم الانتماء والاغتراب، وكيف تتشكل الهوية وتتغير بتغير الظروف.
ونالت المحاضرة إعجاب الحضور، الذين تفاعلوا مع طرحه العميق والشيق لقضايا الهوية والانتماء والاغتراب، وأشادوا بقدرته على مزج الجانب النظري مع التجربة الشخصية، مما أثرى المحاضرة وجعلها أكثر عمقًا وتأثيرًا.

اترك رد