المعقولية كمعيار أدبي: فهم الواقع في عالم الخيال

Published by

on

الدكتور عبد الرحمن حمود علي السريحي*

يتناول هذا المقال مفهوم “المعقولية” في الأدب، بوصفها مبدأ ينظم العلاقة بين أحداث السرد وشخصياته وتوقعات المتلقي حول ما يمكن اعتباره “مقبولاً” أو “معقولاً”. انطلاقًا من الجذور الفلسفية في الفكر اليوناني، وتحديداً في كتاب فن الشعر لأرسطو، تطورت فكرة المعقولية الأدبية لتصبح حجر الأساس في النقد الأدبي، إذ لم يعد الهدف من الأدب توثيق الحقائق، بل تقديم أحداث منطقية تناسب طبيعة السرد. فمن خلال هذا المفهوم، سعى الأدباء عبر العصور إلى بناء عالم خيالي يمكن أن يبدو معقولًا وفق القيم الاجتماعية والأخلاقية السائدة في زمانهم. ويعود أصل مصطلح “المعقولية”  La vraisemblance إلى الفكر الفلسفي والأدبي، حيث يُستخدم لوصف مدى توافق الأحداث أو الشخصيات أو السرد في الأدب مع توقعات القارئ أو المتلقي لما يمكن أن يكون “معقولاً” أو “مقبولاً”. وقد بدأ هذا المفهوم منذ الفلسفة اليونانية، وتحديداً في فن الشعر لأرسطو، حيث أرسى الأساس لمفهوم المعقولية في الأدب المسرحي والروائي.

المعقولية الكلاسيكيه

          مع دخول القرن التاسع عشر وظهور الحركة الواقعية في الأدب، تغيرت طبيعة المعقولية. فقد سعى الأدب الواقعي إلى تصوير العالم كما هو، بكل تفاصيله الدقيقة وواقعيته المعقدة، وأصبحت المعقولية مرتبطة بمطابقة الأدب للواقع والتفاصيل اليومية. ومع الكتّاب مثل بالزاك وستاندال، أصبحت الرواية مرآة للمجتمع، وهدفت إلى تقديم صورة صادقة ومعقولة عن الحياة الاجتماعية، مما عكس اتجاهاً جديداً لمفهوم المعقولية التي أصبحت تمثل ما يمكن أن يحدث في الحياة العادية، بعيداً عن المثالية أو الرومانسية. إذاً، فإن مفهوم المعقولية تطور من كونه معياراً أدبياً فلسفياً يضفي المقبولية على النص، إلى كونه تجسيداً لما هو واقعي ومحتمل الحدوث في المجتمع.

للتحدث عن معقولية جديدة تبرز في القرن التاسع عشر، يجب علينا أولاً أن نستعرض المعقولية الكلاسيكية التي تأسست عليها. عند البحث عن تعريف لكلمة “المعقولية” في المعاجم الأدبية، نجد أن المصطلح غالباً ما يعيدنا إلى فن الشعر لأرسطو. بالنسبة لأرسطو، تُعتبر المعقولية سمةً من سمات الخيال الأدبي، أي عمل الشاعر، وهي تختلف عن مطلب الحقيقة العلمية أو الواقعية الذي يجب أن يلتزم به المؤرخ، أو بالأحرى كاتب الأحداث التاريخية. فوقفاً لأرسطو دور الشاعر هو أن يقول ليس ما حدث بالفعل، بل ما يمكن أن يحدث وفقاً للمعقولية والضرورة.

لقد أظهرت الدراسات المختلفة التي تناولت هذا الرأي ، أن المعقولية لدى أرسطو تتسم بصفتين: أولاً، يتم فهمها كاحتمال في سياق الواقع، ليس عبر التقليد البسيط لفعل حقيقي، بل من خلال ارتباطه بالمنطق السردي وتكوين الحبكة. وهنا يكمن الفرق بين الشاعر والمؤرخ، كما يوضح أندريه ميرسيه في مقاله المعقولية: حالة المسألة التاريخية والنظرية، أنه بينما يعتمد النص التاريخي على التسلسل العشوائي للأحداث، يجب على الشاعر أن يرتب هذه الأحداث ويضعها في علاقة سببية، مما يتيح الانتقال من الفردي والعرضي إلى تمثيل أعم للواقع، يكون موحداً وذا دلالة.

تُظهر هذه الاقتباسات الصفة الثانية للمعقولية الكلاسيكية: ألا وهي طبيعة الواقع الذي تمثله. إذ أنه  من خلال المعقولية، يقدم الخيال تفسيراً عاماً للأحداث والأفعال، في شكل يقترب من الأمثلة. والهدف الأساسي للمعقولية الكلاسيكية هو جعل السرد مقبولاً ومصدّقاً، عبر استناده إلى الاحتمال. ومع ذلك، فإن هذه المعقولية تتيح أيضاً قبول ما قد يكون غير محتمل وهنا يمكن آن نستند علي ما نقله جيرار جينيت كتابه المعقولية والدافع حيث قال إنه رغم أن المعقولية تعتمد على توافق الأحداث والشخصيات مع المعتقدات والأفكار السائدة عن الواقع، فهي ترتبط أيضاً بالتنظيم المنطقي للسرد، الذي يوحّد الأفعال ويربطها بشخصيات الرواية ويساهم هذا التنظيم في جعل ما قد يبدو للوهلة الأولى غير محتمل،     مقبولاً ومنطقياً.

يمكننا هنا الوصول إلى مفارقة، حيث تظهر المعقولية أعلى مرتبةً من الحقيقة. وقد أوضح أرسطو هذا التناقض في فن الشعر بقوله: “يجب تفضيل المستحيل المعقول على الممكن غير المقنع”. في القرن السابع عشر الفرنسي، أعطت الفنون الشعرية لهذه المعقولية اهتماماً خاصاً، وأكدت على هذه المفارقة، كما يظهر في بيت الشاعر بوالو الشهير: “الحقيقة قد تكون أحياناً غير معقولة.”

في الواقع، تتوافق المعقولية الكلاسيكية إجمالاً مع واجب أخلاقي يتمثل في “التحكم في القيم، وتقييم السلوكيات وتعقيداتها.” ويرى رونالد بارث أن “الثقافة الكلاسيكية بأكملها عاشت لقرون على فكرة أن الواقع لا يمكنه بأي حال أن يلوث المعقولية.” وفي الشعرية الكلاسيكية، تتعارض كلمة “المعقولية” مع “الحقيقة”، وخاصة الحقيقة التاريخية، لأنها تُعتبر محدودة وفردية. ومع ذلك، سيتغير هذا المصطلح تدريجياً الي مفهوم جديد للمتعقوليه لسيما في القرن التاسع عشر.

المعقولية الحديثة والرواية في القرن التاسع عشر

          أصبحت الرواية، التي تُعتبر الجنس الأدبي الأبرز في القرن التاسع عشر، تعتمد على تعديل مفهوم المعقولية. فمنذ نهاية القرن السابع عشر، بدأ النوع الروائي الفرنسي في التخلي عن الطابع الروائي التقليدي المستمد من الحكايات القديمة وروايات الفروسية، واتجه نحو تمثيل الشخصيات والمواقف بشكل معقول. والهدف هنا هو التمثيل المعقول للحياة الواقعية، ولكن لخدمة رسالة أخلاقية، أي الدروس التي يمكن أن يقدمها الروائي لتعليم القارئ.

اذن نستطع القول انه في القرن التاسع عشر، تطورت “المعقولية الجديدة” في الأدب لتصبح أكثر ارتباطاً بالواقع الاجتماعي والنفسي للشخصيات، بعيداً عن القيم الأخلاقية الصارمة التي ميزت الأدب الكلاسيكي. ففي رواية مدام بوفاري لفلوبير، على سبيل المثال، تُبرز المعقولية الجديدة الصراعات النفسية العميقة لإيما بوفاري، التي تهرب من حياتها المملة عبر الانغماس في علاقات عاطفية واستهلاكية، مما ينتهي بها إلى مصير مأساوي يعكس صراعاتها الداخلية. وكذلك في رواية الأب غوريو لبالزاك، تركز المعقولية على تصوير الجوانب القاسية من الحياة الباريسية، حيث تسعى الشخصيات لتحقيق طموحاتها الاجتماعية دون مراعاة القيم الأخلاقية التقليدية، مما يكشف قسوة المجتمع وتأثير المال والسلطة.

كما يعتبر دوستويفسكي في الجريمة والعقاب نموذجاً آخر للمعقولية الجديدة، حيث يعتمد على التحليل النفسي العميق لصراع راسكولينكوف الداخلي بعد ارتكابه جريمة القتل، ما يعكس معقولية نفسية تجسد صراعات الخير والشر من منظور غير تقليدي. في آنا كارينينا لتولستوي، تتجلى المعقولية الجديدة في تصوير واقعي للصراع بين الواجبات الاجتماعية والرغبات الشخصية، حيث تعيش آنا صراعاً داخلياً يعكس طبيعة العلاقات الإنسانية المعقدة دون تقديم نهاية مثالية أو أحكام صارمة، مما يضيف بعدًا إنسانيًا إلى تجربة البطلة.

من جانب اخر نري أيضاً تجسد رواية البؤساء لهوغو مثالاً آخر للمعقولية الجديدة من خلال تصويرها لتأثير الظلم الاجتماعي على الأفراد، حيث يعاني جان فالجان من تبعات ماضيه ويكافح لتحقيق حياة كريمة في مجتمع غير عادل، مما يعكس تركيز الأدب على تأثير البيئة الاجتماعية. تتبنى روايات ديكنز، مثل آمال عظيمة وديفيد كوبرفيلد، هذا النهج أيضًا من خلال استعراض التأثير الاجتماعي والنفسي على الأفراد، مع تسليط الضوء على الصراع الطبقي والتفاوت الاجتماعي، مما يعزز من معقولية الشخصيات بناءً على ظروفها الواقعية. ومع ذلك نجد انفسنا على موعد جديد مع تطور اخر لمفهوم المعقولية في القرن الموالي.

           مفهوم المعقولية في عصر الحداثة

في القرن العشرين، شهدت المعقولية الأدبية تغيرات عميقة مع ظهور الحركات الأدبية الجديدة، مثل الحداثة، التي أعادت تعريف العلاقة بين الأدب والواقع. فنجد رفض الحداثة للقيود التقليدية التي تقيد الرواية بالواقعية المباشرة، مفضّلة التركيز على العالم الداخلي للشخصيات، وتعقيداتها النفسية، بدلًا من مجرد تمثيل الظواهر الخارجية بدقة. هذا التوجه جعل الأدب أكثر عمقًا، حيث أصبح يُعبّر عن التجربة الإنسانية المعقدة ويمزج بين الواقعية والنفسية.

لقد لعب النقد الأدبي الحديث دورًا مهمًا في إعادة تشكيل مفهوم المعقولية من خلال فلسفات مثل “موت المؤلف” لرولان بارت، التي دعت إلى تجاوز نية الكاتب وترك النص مفتوحًا لتأويلات القارئ المتعددة. هذه الرؤية منحت الأدب حرية واسعة للتعبير عن معانٍ أعمق، كما يتضح في الأدب الوجودي لألبير كامو وجان بول سارتر، الذي يعرض صراعات الإنسان مع العبثية والمعنى. تظهر هذه المعقولية النفسية أيضًا في شخصيات كامو التي تتصرف بطرق قد تبدو غير منطقية ظاهريًا، لكنها تعكس مستويات من الصراع الداخلي والوجودي.

من جانب آخر، ركز ميشيل فوكو على مفهوم المعقولية كوسيلة لاستكشاف الهياكل السلطوية في المجتمع، حيث يعرض الأدب عوالم تتأثر بالقوى الاجتماعية والسياسية. في روايات مثل ١٩٨٤لجورج أورويل، تتجلى هذه المعقولية من خلال شخصيات تعيش تحت القمع، ما يجعل سلوكياتها تبدو غير منطقية، لكنها تكتسب دلالات عند وضعها في سياق السلطة والتحكم. كذلك، عمّق أدب كافكا ودوستويفسكي من مفهوم المعقولية النفسية، حيث يستخدم كافكا التحول الخيالي لبطل روايته في المسخ كرمز للاغتراب والانعزال، بينما يُبرز دوستويفسكي في الجريمة والعقاب الصراعات الداخلية التي تدفع الشخصيات نحو أفعال غير منطقية من منظور خارجي، لكنها معقولة نفسياً.

تأثير النقد الأدبي على تطور المعقولية: ما بعد الحداثة

          في أدب ما بعد الحداثة، تغيّر مفهوم المعقولية ليصبح أكثر تعقيدًا، حيث بات الأدب يسعى إلى تفكيك الواقع وتقديم عوالم مليئة بالغموض والتناقضات. لم تعد الروايات تلتزم بهيكل سردي واضح، بل اعتمدت على السرد المتشعب الذي يتيح للقارئ دورًا أساسيًا في بناء المعنى وتفسير النص. في روايات مثل قوس قزح الجاذبية لتوماس بينشون واسم الوردة لأمبرتو إيكو، يعتمد الكاتبان على البنية السردية المفتوحة لتقديم نصوص غنية بالمعاني والرموز، مما يدعو القارئ للمشاركة في فك شفرة النص وتجاوز التفسير التقليدي.

أسهمت النظريات الفلسفية والنقدية مثل تفكيك جاك دريدا وفكرة نهاية السرديات الكبرى لجان بودريار في تشكيل هذا المفهوم المعقد للمعقولية. أصبح الأدب في هذه الحقبة لعبة تأويلية، لا تستند إلى معقولية واقعية، بل إلى تعددية في المعاني والتفسيرات. هذا التوجه الفلسفي يعكس رؤية ما بعد الحداثة التي ترى الحقيقة على أنها غير ثابتة، مما أتاح للكتاب إبداع نصوص تعبر عن تعدد الطبقات المعرفية والتأويلية.

في هذا الإطار، لم يعد القارئ متلقيًا سلبيًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من عملية بناء المعنى. من خلال أدب ما بعد الحداثة، يتمكن القارئ من استكشاف نصوص تعيد النظر في المعقولية التقليدية، حيث تتحول تجربة القراءة إلى عملية تفاعلية عميقة. هذا النوع من الأدب يُبرز حقيقة جديدة للمعقولية، تتجاوز الواقع السطحي لتشمل العوالم النفسية والفلسفية، مما يجعل الأدب وسيلة للتعبير عن تعقيد الحياة الإنسانية وتجربة الوجود بطرق متعددة.

في ختام هذا المقال، يظهر لنا كيف تنوعت وتطورت المعقولية في الأدب بدءاً من الأدب الكلاسيكي اليوناني، مرورًا بالأدب الفرنسي الكلاسيكي، ووصولًا إلى الواقعية الأدبية في القرن التاسع عشر وما تلاها من حركات حديثة. كل حقبة قدمت تفسيرات جديدة لهذا المفهوم، من التوافق مع التوقعات الاجتماعية إلى التعبير عن التجربة النفسية والفكرية. يُبرز الأدب الحديث والمعاصر المعقولية كقناة لاستكشاف التناقضات والتعقيدات الإنسانية، مما أضاف للأدب عمقًا فريدًا حيث لم يعد التفسير الواقعي وحده كافيًا، بل أصبح السرد مجالاً لاستكشاف تجارب متعددة الجوانب يعايشها القارئ ويفسرها وفق رؤيته الخاصة.

 

*مدرس وباحث في جامعة ستراسبورغ.

المصادر:

  1. أرسطو،فنالشعر، ترجمة وتقديم د. إبراهيم عوض، القاهرة: دار الكتاب العربي، ٢٠٠٧م.
  2. ألبير كامو، أسطورة سيزيف، باريس: دار غاليمار، ١٩٤٢م.
  3. أومبيرتو إيكو، العمل المفتوح، كامبريدج، ماساتشوستس: دار نشر جامعة هارفارد، ١٩٨٩م.
  4. أندريه ميرسييه (٢٠٠٩م)، «المعقولية: حالة المسألة التاريخية والنظرية»، في زمن الصفر. مجلة دراسات الكتابات المعاصرة*، العدد 2 [عبر الإنترنت]. الرابط: <http://tempszero.contemporain.info/document393&gt;
  5. أونوريه دو بالزاك، الكوميديا الإنسانية، مجموعة الأعمال الكاملة. باريس: دار فلاماريون، 1834-1848.
  6. بارت، رولان. موت المؤلف، في همس اللغة: مقالات نقدية IV، باريس، دار نشر سوي، ١٩٨٤م.
  7. توماس بينشون، قوس قزح الجاذبية، نيويورك: دار فايكنغ بريس، ١٩٧٣م.
  8. جاك رانسيير، سياسة الجماليات: توزيع المحسوس ترجمة غابرييل روكهيل. لندن: دار بلومزبري، ٢٠٠٤م.
  9. فيكتور هوغو، البؤساء، باريس: دار كاليمن ليفي، ١٨٦٢م.
  10. ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء: علم الآثار في العلوم الإنسانية، باريس: دار غاليمار، ١٩٦٦م.
  11. مدام دي سكوديري، ملاحظات حول السيد، في أرماند غاستي، *معركة السيد*، باريس، ١٨٩٨م، ص. ٧٥، نقلاً عن جيرار جينيت، المعقولية والدافع، في ، باريس، دار نشر سوي، ١٩٧٩م.
  12. نيكولا بوالو، الفن الشعر، باريس: دار كاليمن ليفي، ١٦٧٤م.

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading