حوار مع الدكتور محمد مرشد الكميم حول الأدب والنقد والعمل الأكاديمي

Published by

on

الكميم: استمرار فهم تبعية النقد للنصوص الإبداعية أورثه سمعة سيئة

حوار/ بلال قائد عمر

محمد مرشد محمد الكميم أستاذ جامعي شاب، يمارس دورا تنويريا في المشهد الثقافي اليمني بمطارحاته الفكرية الدؤوبة في المنابر والمنصات الثقافية، وإعانته للباحثين الشباب. وإتاحة مكتبته الأكاديمية المميزة لكثيرٍ من الباحثين.

 حصل الدكتور محمد مرشد الكميم على درجة الدكتوراه عن أطروحته الموسومة بـ: “خطاب المختارات الشعرية الأندلسية: مقاربة للمتعاليات النصية في ثلاثة نماذج” من جامعة محمد الخامس بالمملكة المغربية، وقبلها حصل على درجة الماجستير عن أطروحة عنوانها: “سيميوطيقا التشبيه في كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس لأبي عبد الله محمد بن الكتاني الطبيب (ت:422)” من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة صنعاء.

التقينا به وناقشنا عدداً من الأسئلة التي تقاطع فيها العام بالخاص والرأي بالاختصاص..

إلى التفاصيل:

* يشير عنوان أطروحتك للدكتوراه إلى تخصصك في الأدب الأندلسي، كيف ترى مساقات دراسة الأدب في جامعاتنا اليمنية والعربية، خصوصاً أن الكثير منها يُعنى بما هو قديمٌ ويغفل عما هو حديث ومعاصر؟

-صحيح، واعتقد ان التفات جامعاتنا إلى دراسة الأدب القديم أكثر من الحديث والمعاصر له أسباب كثيرة أهمها: سلطة نصوص التراث علينا وامتدادها فينا جعلتنا نعيش، إلى اليوم، زمناً ثقافياً واحداً ولا نبرح الماضي ولا نفارق نصوصه أو نحدث قطيعة معه ومعها، كما أننا لم نعش حداثة أو ما بعد حداثة حقة ولم ننتقل إلى بنى جديدة تحدث تغيراً حقيقياً في مجتمعاتنا ومفاهيمنا للكون والحياة التي ستغير، بالضرورة، من مفاهيمنا للأدب ووظائفه وكيفيات إنتاجه وأدوات التفكير فيه. يضاف إلى ذلك عدم وجود سياسة تعليمية توجه الدراسات نحو الأدب الحي والمعيش، وعدم وجود وعي نظري عربي للأدب ولدراسته، كما أن للتقاليد الأكاديمية وتصور هامشية الأدب في صناعة الحياة وتكريس مفاهيمه التقليدية ووقوع الحديث والمعاصر منه في دوائر استلاب سياسية أو إيديولوجية أو هوية ذاتية أو آخريه، دوراً فاعلاً في كثافة هذا الحضور لدراسة القديم.

وقد أفشي سراً إن قلت لك: إنني قمت، في عام سابق، مع طلبتي في التمهيدي ماجستير بعمل دراسة بيبليوغرافية للرسائل العلمية المسجلة والمناقشة في قسمنا وفي كليتنا، فوجدنا حظ القرآن والشعر القديم واللغة والنحو والبلاغة والنقد في صورها التقليدية أكثر من حظ الحديث شعراً كان أو غيره، ووجدنا حظ الشعر قديمه وحديثه عظيماً في مقابل حظ غيره، بل كاد النثر -فنياً كان أم سردياً أم درامياً- أن يغيب، كما وجدنا ما هو دائر منها حول النصوص يكاد يُغيِّب دراسة ما هو موجود في الواقع المعيش، ودراسات كهذه تجعلنا، بوعي أو بدون وعي، نعيش الماضي ونسكن النصوص ونؤمن بالإيديولوجيات.

  • هل ترى ذلك معيبا؟

لا، خاصة إذا كانت دراسة القديم مزودة بوعي متسائل عن أسرار العودة إليه وعن كيفياتها وعن غاياتها (لماذا نعود، وكيف، وما الغاية؟)، غير أن هذا الوعي المعرفي المتسائل لا يعمل به كثير ممن يُدرِّس في الجامعة أو يدرس فيها؛ الأمر الذي جعل معظم دراساتنا للتراث موثِّنة له ومعززة لحضوره أكثر مما جعلها مسهمة في تنقيته ونقده أو تطويره والتحول عنه إذا لزم الأمر، وهذا هو الذي صيرها غير فاعلة في حياتنا وغير ذي جدوى. ولكي نعيد الجدوى لدراسة الأدب القديم والجديد، يجب أن نبحث عن إجابات معاصرة لأسئلة ضرورية هي: (لماذا ندرس الأدب؟ وما الذي يجب دراسته منه؟ وكيف يدرس؟).

  • يبدوا أنك تنبهت لهذا الجانب في رسالتك للدكتوراه؟

لقد كانت هذه الأسئلة حاضرة في دراستي للتشبيه الذي يعد ظاهرة في الشعر العربي القديم والأندلسي على وجه الخصوص. وظاهرة كهذه يجب أن تدرس لا بوصفها واحدة من مُحدِثات الشعرية العربية القديمة فقط، ولكن تدرس بوصفها واحدة من أهم أدوات تفكير العقل العربي في العالم وإدراكه وفهمه وإنتاجه، وهذه الأداة استطاع الأندلسي تطويرها شعرياً ومعرفياً. التصور هذا حتم علي الانطلاق من التصورات السيميائية؛ لبناء نموذج منهجي مقترح يُمكِّن من مقاربة التشبيهات وفق المحددات الشعرية والمعرفية، كما أن الغاية من الدراسة لم تقف عند حدود كشف آليات التشبيه في الإنتاج والتفكير الشعري والدلالي والمعرفي عند العرب والأندلسيين بالذات، بل تجاوزتها إلى إمكانية توظيفها وتطويرها في الخطابات الإشهارية.

* عالجت في أطروحة الدكتوراه موضوع: “خطاب المختارات الشعرية” وقمت بتحليله، هل لك أن تحدثنا عن مفهوم خطاب المختارات، ثم تعرض لنا جانباً مما تُعنى به دراسات الخطاب عموماً؟

– أي كلام يُتلفظ به لا بد له من متكلم ومخاطب، والعلاقة بين الاثنين وبين الكلام تدخل الأخير في شبكة كبيرة من العلاقات والسياقات الداخلية والخارجية، الواسعة والضيقة، الظاهرة والمضمرة؛ الأمر الذي يجعله يخضع لتحولات دلالية وتداولية وجمالية وسلطوية متعددة يضطلع بكشفها ما اصطلح على تسميته بـ: “تحليل الخطاب” باتجاهاته المختلفة التي منها “التحليل النقدي للخطاب” بكل ما امتاز به من اختصاص في نقد مختلف السُلط وفضحها.

وفق هذا التصور العام قمنا بتحليل خطاب المختارات الشعرية عموماً والأندلسية على وجه الخصوص، بعد أن عملنا على تخطيبها تخطيباً مفارقاً لكل النقاد الذين اختلفوا في نسبتها إلى الإبداع أو إلى النقد أو إلى التصنيف، وحاولنا تبيان ما للمتعاليات النصية، بوصفها تجسداً لا إجراء نقدياً، من دور كلي في تكوين هذا الخطاب وتنويع صوره، ثم كشفنا عن خطورته في تمرير الإيديولوجيات والتمثلات أو رفضها، وتكريس الهويات أو تغييرها، وتعزيز القيم التعليمية والأخلاقية والفنية والدلالية أو تحويلها والاعتراف بالهامشي أو محوه…إلخ، وانتهينا إلى تحليل مفصل لخطاب المختارات الشعرية في الأندلس؛ لنخرج بصيرورات دلالية وتداولية وجمالية وسلطوية فرضتها مختلف الشروط والاستراتيجيات الخطابية التي خضع لهيمنتها كل نموذج حللناه من هذا الخطاب.

* لو لجأنا إلى المقارنة بغرض الإبانة، كيف ترى الفرق بين الجامعات المغربية واليمنية من حيث إعداد رسائل الماجستير والدكتوراه؟

– سمعة الجامعة المغربية لم تأخذها من أعلامها في مختلف التخصصات الذين أصبحوا ناراً على علم في الفضاء العربي والغربي، ولا من كفاءة الملتحقين بها، ولا من المستوى التعليمي العالي الذي أسس فيها، ولا من مضاهاة الجامعات العالمية ذائعة الصيت وحسب، بل أخذتها -أيضاً- من تطوير أنظمة الدراسات العليا باستمرار؛ إن التطوير لم يأت اعتباطياً أو غير مدروس، بخلاف ما لدينا من عشوائية وارتجال وعدم وعي باختلاف الأنظمة ولا بأهمية الزمن؛ فعندنا في مرحلة الماجستير لا يدرك الطالب هل يدرس نظام كورسات أو نظام رسائل، وفي مرحلة الدكتوراه تتخذ قرارات ارتجالية بدراسة كورسات ثم تلغى بعد أن كانت ملغية قبلا.

إن التغير هناك كان مدروساً، لقد وعوا أن نظام الدبلوم أو نظام دكتوراه الدولة لم يعودا مناسبين لهذا العصر الذي تتبدل فيه المشاريع والموضوعات بسرعة كبيرة؛ لذا أقروا النظام الجديد، ولكن بتمرحل وبتجريب جدوى نجاحه، وليس بقرار اعتباطي معمم يحدث كثيراً في جامعاتنا، كما أنهم ربطوا النظامين بمشاريع خدمية وتنموية ونهضوية، لا إيديولوجية ولا حزبية ولا مذهبية ولا طائفية ولا عرقية، متصلة بمؤسسات الدولة والمجتمع والتراب الوطني المغربي؛ لذا تجد كل جامعة تنشئ مركزاً لدراسات الدكتوراه يُعد تصوراً أو تصورات تصب في صالح البلد، وكل كلية تعد عدة تكوينات ترتبط بتلك التصورات، وكل قسم يعد وحدة أو عدة وحدات ترتبط بأحد التكوينات التي لا تنفصل عن التصورات العامة، ثم ترفع إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تقر أو ترفض، عبر لجنة علمية لا وساطة فيها ولا تحيز، ما قُدم بعد النظر في صلاحيته واتصاله التسلسلي الذي ينتهي إلى السياسة الخدمية والتنموية والفكرية التي يراد تحقيقها؛ لذا تجد رسائلهم وأبحاثهم ذات جدوى عملية وعلمية؛ لأنها متصلة بالواقع والإنسان والمجتمع الموجودين وليس بما أكل عليه الدهر وشرب مما سبق ذكره.

بين نقدين..

*من منطلق ما يشيع -الآن- في النقد الأكاديمي خصوصاً من مقاربات منهجية للأدب، كيف تصف العلاقة بين النقد الأدبي والإبداع الكتابي؟

– مما يجب أن يضطلع به النقد عموماً، العمل على رفع مستوى الوعي لدى كتاب الإبداع وقرائه؛ لكي يتطور الإبداع وتتغير أدوات الكتابة وتتبدل أجهزة التلقي وآليات القراءة، ولكن هذا لا يحدث عندنا في النقد الذي تسميه أنت أكاديمياً؛ لأننا نجد أنفسنا إما أمام آلة ضخمة لمنهج ما فصلت أدواته وبنيت إجراءاته على نصوص بعينها، فيأتي من يطبقها عربياً على نصوص أضحل وأقل قدرة من كفاءة المنهج؛ لترى أمامك ثوباً فصل على غير لابسه، وخير مثال على ذلك ما تجده في مؤلفات عربية تبهرك بالمستوى النظري، ولكنها تخيب ظنك في المستوى التطبيقي، ولعل كتاب الغذامي: “الخطيئة والتكفير” نموذجاً جيداً على ذلك، وإما نجد أنفسنا أمام العكس من ذلك، وفيه تكون النصوص المدروسة أضخم وأعلى من المنهج الذي يتمزق حينما نلبسه النص، ولن أمثل على ذلك؛ لأن الأمثلة كثيرة.

هذا يحملني على القول بأن كثيراً من الدراسات الأكاديمية لا تعي كيف تختار المناهج المناسبة للنصوص التي يراد دراستها ولا تعي كيف تختار النصوص المناسبة للمنهج الذي تريد أن تدرس به، ولعل هذا واحد من أسباب عجز النقد عن مواكبة النصوص المتطورة أو تأخر النصوص عن مواكبة النقد المتقدم؛ فمن الخطأ أن أتناول قصيدة نثر مكتوبة وفق أسس ما بعد الحداثة بمنهج لا يزال يؤمن بفكرة الوحدة العضوية التي تدمرت في وعي قصيدة النثر.

* دكتور محمد! من خلال معرفتك بالوسط الأكاديمي واطلاعك على جهود النقاد، ما تقييمك للنقد الأكاديمي في اليمن؟

– دون أن أدخل معك في جدل حول مفهوم النقد الأكاديمي، سأفترض أنك تقصد النقد المبني على تصور منهج ما؛ لأقول لك: إن السمت المهيمن عليه في اليمن هو الجنوح إلى النقد التطبيقي المستنسخ لنماذج عربية غالباً والتقني جداً أو الخارج عن ضوابط المنهج بلا وعي أو المشوه لمفاهيم هذا المنهج أو ذاك؛ نتيجة لتدني استيعابه وقصور تمثل إجراءاته وسوء فهم أبعاد مصطلحاته؛ لذا إن قلت: إن النقد عندنا صدى للصدى، فلن أغالي ولن أتجنى، وإن أحببت أن تستثني، فلن تجد إلا نماذج قليلة منه إن لم أقل نادرة، وإن جاء أحد ما بواحد من هذه النماذج النقدية الرافضة للاحتذاء والاستنساخ، فلن يكرر هذه الفرادة فيما يأتي به لاحقاً من مؤلفات، ولا أريد أن أزعم بمتابعتي لمعظم الرسائل والمؤلفات التي تندرج تحت ما أسميته بالنقد الأكاديمي؛ حتى لا أظلم من يرى فيما كتب خروجاً عن السائد العام. ولو تخيرت لك ما كتب عن التناص كعينة، فسأجزم أنك لن تجد إلا قلة قليلة جداً من الدراسات التي استثمرته في التحليل فهمته عن حق وطبقته عن وعي بكيفيات اشتغاله. ولكي يطمئن قلب من يتحسس رأسه من قولي، فأنا -أيضاً- لا أستثني نفسي من دائرة التهمة.

* هل يمكن للنقد الأكاديمي أن يقدم شيئاً للأدب اليمني، خصوصاً أن كثيراً من أساتذة الجامعة المتخصصين في الأدب العربي لا يشتغلون في هذا الجانب؟

– النص الأدبي، والسردي منه بالذات، منجم ثر لموضوعات لا تكاد تنتهي، وبإمكان النقاد الأكاديميين وأساتذة علم النفس والاجتماع والفلسفة وغيرها من العلوم، أن يجدوا في نصوص الأدب والسرد اليمني ما يلبي تطلعاتهم لإيجاد موضوعات لدراسات مختلفة ومتنوعة، والإضافة تأتي مما ستحققه هذه الدراسات؛ لأنها ستلفت النظر إلى دوائر الثبات وتشير إلى المناطق التي لم يغطيها الأدب وإلى الجماليات والأجناس والأنواع والموضوعات التي لم تطرق أو لم تغط من زاوية ما، كما أنها ستكشف عما اهتم به هذا الأدب وما يجب أن يهتم به ويفكر فيه، وستفضح رؤى العالم السائدة فيه وتنبه إلى وجود تغير في المجتمع يتطلب تغيراً في الرؤية والكتابة عنه، كما أنه من خلاله يمكن كشف مشاكل الحياة والواقع والمجتمع اليمني، والتنبيه إلى الانتقال من دوائر التشخيص بالأدب إلى اقتراح آفاق للحلول به وفيه أيضاً، وهناك الكثير الكثير مما يمكن أن يقدمه النقد والدراسات الأكاديمية للأدب؟

* الكثير من الأدباء ينتقدون تضاؤل دور الجامعة في التنوير وتنمية التفكير النقدي والبحث العلمي والتناول الموضوعي لقضايا المجتمع، ما تعليقك؟

– حتى إن كنت أتفق مع هذا الطرح من حيث المبدأ، فأنا لا أؤمن بالتعميم، كما لا أؤمن بتحميل الأستاذ كل هذه السلبيات وإن كان جزءاً منها، ولكن أرى أن الأجدى من طرح هذا الانتقاد الحاد، التساؤل أو البحث عن الأسباب التي أدت إلى ذلك؛ فلا يجب أن ننسى ما تتعرض له الجامعة من تهديم مقصود أو تعطيل مدروس لدورها الحقيقي من قبل النظام الحاكم أو الأحزاب أو الجماعات الدينية أو القبيلة أو أي مؤسسة تشعر أن الجامعة تهددها بالتغيير؛ فأي تدخل أو إدخال لعملاء النظام أو الجماعات، يجعل الجامعة تشتغل في مناخ غير حر، وأنت تعلم أن أهم شروط البحث العلمي الحرية، كما لا يجب ألا نغفل سوء الإدارة وغياب الدعم المالي وغيرها من الأمور التي تسهم في تفعيل دور الجامعة التنويري والتغييري.

* هل ترتبط المسألة بما يقوله البعض أن الأستاذ الجامعي يكتفي بالحصول على درجة الدكتوراه فقط؟

–      الحصول على درجة علمية شيء كبير جداً لمن يعرف قيمة ذلك، ولكن يجب الاعتراف بأن سوء تقدير قيمتها جعل الكثير يسعون للحصول عليها؛ من أجل تحقيق مكانة اجتماعية أو تحسين وضع معيشي أو تحصيل ترقية أو منصب ما، ولا تعيب هذه الأمور إن كان قد تحصل عليها عن جدارة واستحقاق تؤهلانه لمعرفة الأمور الأخرى المنوطة به كمواصلة الاشتغال على مشاريع بحثية أو المشاركة بالكتابة العلمية أو الرصينة التي تسهم في خدمة الإنسان والمكان، ولكن لا بد من التساؤل عن سر بيات بعضهم واستمرار بعضهم الآخر.

ستجد أن كثيراً ممن استمر في الإنتاج، توقف بعد مرحلة الأستاذية، وهذا سيجعلنا نعرف أن إنجازه لم يكن إلا لغاية الحصول على الدرجة؛ لذا لن أكون مجحفاً إن قلت لك: إن معظم إنجازات كثير من هؤلاء يصدق عليها القول بأنها ركام على ركام؛ ليس لأنها لا تقدم جديداً فقط، ولكن لأنها تفتقر إلى الجدية والنفع؛ لذا لا مشاحة عليَّ إن افترضت أن البيات والصمت أبلغ من الركام والكلام، ولنا أن نُقلِّب النظر في درجة الحضور المعرفي للدكتور: محمد غنيمي هلال أو الدكتور: شكري عياد في وعي المتلقين على توسط كم ما أنتجاه، مقابل درجة الحضور في وعي المتلقين أنفسهم للدكتور بدوي طبانة أو الدكتور رجاء عيد – مع تقديري لهما- على كثرة ما أنتجاه، والاختيار للأول من السابقين مع الأول من اللاحقين مقصود لمن يعرف قصتهما؛ فالكيف -دوماً- مقدم على الكم، والتقييم -غالباً- لا يقاس على الكثرة في المجال العلمي بالتحديد.

       عن النقد الأدبي..

*بالانتقال بشكل معمق إلى مسألة النقد الأدبي، ما أبرز المشكلات في هذا السياق؟

–      إذا كنت تقصد في العالم، فأنا أرى أن أبرز مشاكله تكمن في عدم امتلاكه لخطابه الخاص؛ إذ ما زال يشيد بنيانه ويمنح أدواته من علوم أخرى كاللغة والتاريخ والاجتماع والنفس…إلخ، وهذا جعله قائماً بغيره دائماً لا بذاته، كما أن استمرار فهم تبعيته للنصوص الإبداعية بوصفه خطاباً واصفاً أورثه، مع المشتغلين به، سمعة سيئة من نواح عدة، مع أن عصر الأنوار الذي حرك أوروبا إلى الأمام كان قائماً على النقد بمفهومه العام لا الأدبي فقط، ومع أن رولان بارت مع غيره بدأوا يخلصون النقد الأدبي من هذه التبعية وأصبح معهم إبداعاً يوازي إبداع النصوص الأدبية، بل أصبح موجهاً للأدب ومعرفاً له بشعريات جديدة لم يغشاها من قبل. ويمكن أن يضاف إلى ما سبق تداخل بعض مناهجه وإجراءاتها إلى درجة عدم القدرة على الفصل بينها إلا لمن بلغ منتهى التدقيق. ويضاف إلى أبرز المشكلات -أيضاً- قصة فهم القراء لصورة واحدة للنقد، مع أنه قد انتقل من دائرة التقويم والتقييم إلى دوائر أخرى منها: التفسير والتحليل والقراءة والتأويل، وهذا هو الذي يجعلنا نؤكد أن مصطلح النقد لم يعد يستعمل إلا بصورة مجازية. أنهي الحديث عن أبرز مشاكل النقد بالإشارة إلى كلام من يرى مشكلة كبيرة في أن بعض المناهج أصبحت تتناول كل ما هب ودب من النصوص، وأن وسائل التواصل الإلكترونية أماتت الناقد المتخصص والنقد الممنهج إلى درجة إحداث فوضى سمحت لكل من هب ودب –أيضاً- أن يصبح ناقداً.

أما على المستوى العربي واليمني، فيضاف إلى ما سبق، قلة الإسهام في صناعة النظرية الأدبية والنقد النظري، وكثرة النقد التطبيقي غير الموجه والقاصر عن الوعي بالمفاهيم والإجراءات المنهجية وبالخلفيات والأسس المعرفية التي تقف وراء المنهج المتبنى؛ لذا لا غرابة إن وجدنا نقداً غير فاعل في تغيير الحياة أو وجدنا كمية كبيرة منه لا تخرج عن الاحتذاء للقديم أو للآخر ولا عن الاستنساخ لنماذج مصنوعة سلفاً ولا عن الفهم الضبابي للمناهج والإجراءات؛ فندرة نقد النقد هو الذي جرأ على استفحال نقد كهذا غير دقيق في المفهمة وغير واع بالخلفيات ولا بالنصوص المناسبة أو المواكبة، ولن أضرب مثلاً على ذلك إلا بالكثرة الكاثرة للدراسات التي تتناول العتبات النصية التي تدرس من زاوية الشعرية البنيوية أو السيمائية؛ فالتوصل إلى تأكيد شعريتها أو دورها في إحداث شعرية النصوص، كما يفعل البنيويون، أو في إنتاج الدلالة، كما يفعل السيميائيون، ليست غاية الغايات بالنسبة لجيرار جينيت منظر شعريتها البنيوية الأبرز، ولكن اشتغاله عليها جاء استجابة لطلب واحدة من أشهر دور النشر في العالم التي أرادت زيادة مبيعاتها عن طريق معرفة ما يجذب القارئ إلى الكتاب وما يشد إلى إغوائه وإغرائه بشرائه من خلال العتبات، هذا بالإضافة إلى معرفة أنماط شعريتها وطرائق تشكلها وكيفيات إنتاجها الدلالي.

*يقول عادل الشجاع في مقال سابق له عام 2008م، إننا في اليمن لم نتلقَ مناهج النقد الحديثة؛ بسبب سيطرة الأساتذة الكلاسيكيين على أقسام اللغة والأدب في الجامعات؟ هل تتفق معه؟

–      أتفق معه إلى حد ما إذا قصرنا تلقي المناهج النقدية على قاعات الدرس في الجامعة، وإن كنا قد حظينا نحن ببعض من فتح أعيننا على بعض المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة كأستاذي الدكتور عبد الله البار وأستاذي الدكتور رياض القرشي وكذلك الدكتور عبد الواسع الحميري والدكتور حاتم الصكر ومجموعة أخرى من الأساتذة المنتمين إلى جامعات يمنية مختلفة، ولكن الجيل الذي قبلنا كان قد تلقى هذه المناهج من ممثليها في الوطن العربي؛ فمنهم من درس على أيديهم في بلدانهم ومنهم من درس على أيديهم في الجامعات اليمنية وجامعة صنعاء بالذات التي كانت تستقدم أساتذة زائرين زمن رئاسة الدكتور عبد العزيز المقالح لها، وقد كان معظم من استقدمتهم من أبرز ممثلي المناهج المعاصرة الذين تلقوها في بلدانها أو على أيدي من تلقوها في بلدانها، ولنضرب مثلاً بكل من الأساتذة الدكاترة: كمال أبو ديب، جابر عصفور، فهد عكام، وهب رومية، عز الدين إسماعيل، مصطفى ناصف، يمنى العيد، عبد الملك مرتاض، عبد الهادي زاهر، وغيرهم كثر، ولكنني قد لا أتفق معه إذا جاوزنا ذاك إلى تلقيها عن طريق متابعة الكتب المؤلفة والمترجمة والرسائل العلمية أو الأبحاث والمقالات والمحاضرات التي نشرت بالأمس وتنشر اليوم في المجلات والصحف المتخصصة وغير المتخصصة وفي الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؛ فتلقي معرفة المناهج اليوم وفهمها وتطبيقها لم يعد الشيخ والتلقين شرطين لإتقانها، وإنما الشروط غدت في الرغبة والهمة والشغف بمعرفتها التي تعددت مصادر تلقيها، وهذه لن تكون إن لم يشعر المرء بجدوى المناهج النقدية في حياته العملية قبل العلمية.

*الكثير من الأدباء ينظرون للنقد على أنه يطالهم شخصياً، لماذا برأيك يأخذون هذا الانطباع؟ هل هو نابع من قصور في النقد أو أن القصور في الأديب ذاته؟

–      للأسف الشديد لم يغير كثير من النقاد سلوكهم ولا عاداتهم النقدية؛ لأن مفهوم النقد عندهم ما زال يأخذ سمة الأحكام ولم يدخل دوائر التفسير والتحليل والقراءة، وسمة الأحكام بطبيعتها تأخذ معها صاحب النص على الطريق، فيظن أن النقد موجه له ويمسه بطريقة ما، كما أن من المناهج النقدية ما لا يغفل المبدع عند النقد؛ فهو يستحضره دائماً ويربطه به، وأي حكم أو تفسير أو تأويل يصدر -بعد ذلك- على النص يصير حكماً على صاحبه، وهذا الأمر يوجع المبدع إذا كانت تلك الأحكام أو التفسيرات أو التأويلات سلبية، ولن يكون التحول عن ذاك إلا بتبني المناهج النصية التي تميت المؤلف وتلغي الأحكام، إلا أن كثيراً من النقاد الذين تبنوا مناهج نصية لم يستطيعوا التخلص من عاداتهم السلبية رغم توسلهم بهذه المناهج، كما أن معظم –إن لم أقل كل- المبدعين لم يستطيعوا قبول فكرة موتهم في المناهج النصية ولا فكرة امتلاك القارئ لنص الكاتب أو مشاركته له في إعادة إنتاجه في مناهج القراءة والتلقي؛ لذا يظل الكاتب باحثاً عن نفسه خلف سطور الناقد حتى لو لم يعطه الناقد أي أهمية أو اعتبار. إنها أبوية المبدع الذي لم يستطع أن يتخلص من مفاهيم الإبداع التقليدية، بينما استطاع الناقد -ولو جزئياً- التخلص من تسلطه، فغير من مفاهيمه للأدب، ومن ثم استطاع تغيير أدوات نقده التي لا تمس الكاتب بأذى، غير أن الكاتب يأبى إلا اغتيال نفسه بأدوات الناقد.

*لعلك تلاحظ، على الصعيد المحلي، وخصوصا في الآونة الأخيرة، هناك كثافة في النشر لا يواكبها النقد الأدبي، هل حركة النقد الأدبي في اليمن ما زالت قاصرة؟ أم أن هناك قطيعةً متعمدة؟ أم هناك عوامل أخرى؟ وإجمالا هل يصح أن نقول إن هناك أزمة نقد؟

– الناقد عندنا دوره هامشي وتابع، والشعور بهذا جعل الكثير يفرون إلى مجالات معرفية وإبداعية أخرى غير النقد؛ لذا لا تجد كماً كافياً من النقاد الذين يستطيعون مواكبة وتغطية كل جديد ثقافي أو إبداعي، هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يحقق النقاد من وراء كتاباتهم إلا رأسمال رمزي في نطاق ضيق، وهذا يجعل اهتمامهم بالكتابة المواكبة والدائمة على هامش حياتهم ما دامت لا تعود عليهم بما يؤمن لهم حياة كريمة، هذا إضافة إلى غياب أو قلة منابر النشر اليمنية المحترمة والمشجعة على الكتابة باستمرار، وقيام كثير من الصحفيين والهواة بمهام كان يجب أن يضطلع بها النقاد المتخصصون، كما أن غياب النصوص المشجعة على الكتابة تهون كثيراً من حماس النقاد؛ لذا سأرد السؤال الأخير عليك بآخر هو: هل يصح أن نقول إن هناك أزمة نص؟ فأزمة النقد مرهونة بأزمة النص من جانب، وبأزمة غياب المحفزات الأخرى على الكتابة النقدية من جانب آخر.

* كثير مما ينشر في الصحافة وفي الأنشطة الثقافية باسم النقد الأدبي، هل هو فعلاً يستحق أن يدرج تحت هذا المسمى أو أن ما يكتب مجرد انطباعات ومجاملات؟

–      أنا لا أعد كثيراً مما يأتي مستخدماً لصيغة التفضيل نقداً بأي وجه من الأوجه، وهذا هو السمت الغالب على كثير مما يسمى نقداً في الصحافة والأنشطة الثقافية ووسائل التواصل، وحتى لو لم تظهر أفعل التفضيل صريحة، فقد تأتي مضمرة ومختفية وراء صيغ مشعرنة لا يمكنها أن تقول إلا ما تقوله صيغة أفعل التفضيل، كما أنني لا أعتد كثيراً بالكتابات التي تدعي المنهجية والعلمية والموضوعية في عناوينها أو متونها، ولكنها تقع في مزالق كبيرة جداً من سوء فهم المصطلحات وسوء استيعاب المفاهيم وسوء توظيف الإجراءات عند التحليل؛ فقد تغري الادعاءات الموجودة في العناوين والمتون، ولكن تفعيلاً بسيطاً لنقد النقد يوقعها في حرج كبير، وكم ستجد كثيراً من ثريات النصوص النقدية تقول لك: “أثر حليب المراعي في شعرية دعبل الخزاعي” -على طريقة الناقد سمير عباس في السخرية ممن يبهرج عناوينه- ولكن جمر متونه مطفأة بماء إدعاء المنهجية، أو تقول: “سيميائية العتبات في روايات فلان”، أو: :مقاربة بنيوية لقصيدة كذا لفلان”؛ فالاقتراب من هذه العناوين ومتونها بأقل أضواء المناهج من قبل متسلح حق بها، سيفضح الزيف الكبير الذي يخدعنا ببريقه مثل هؤلاء النقاد المدعين للامتثال والضبط والمنهجي. 

ل تتفق أن هناك قطيعة بين الكاتب والناقد وعلى الطرف الآخر، القارئ ايضا.؟

– لا أستطيع الحكم المطلق بالقطيعة الكلية، ولكن الأمر نسبي أو إن أردت فيه تغليب؛ فقد يكون عزوف القارئ أو الناقد عما يكتبه الكاتب؛ بفعل تعالي الكاتب أو تعالي فنه وفكره ولغته على مستواه أو لأنه لا يجد نفسه ولا فكره ولا متعته ولا طموحاته ولا مجتمعه فيما يقرأه له مثلما يجدها آخرون، وقد يكون عزوف الكاتب عن قراءة الناقد؛ للأسباب نفسها أو لأسباب تجعله يتصوَّر أن المبدع ليس بحاجة لما يكتبه الناقد وقد يكون العكس هو ما يجعله يقرأ له، ولكن الصورة العامة أن الكاتب يُقرأ أكثر مما يُقرأ الناقد، وذلك عائد إلى طبيعة لغة الخطاب النقدي التقريرية، وإلى توجهه إلى نوعية من القراء الذين يضيق اتساعهم كلما أوغل في التحليل والانضباط المنهجي، وإلى عدم احتفائه بذات الكاتب التي تنفر من كل ما لا يرضي غرور النزعة التمجيدية لديه.

الانتاج السردي في اليمن

*رغم كثرة الإصدارات السردية خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها لم تأخذ حقها من الانتشار، ما السبب في رأيك؟ وكيف تقيم الكتابات السردية اليمنية بشكل عام؟

– اليمني عموماً والكاتب اليمني خصوصاً له صورة نمطية سلبية في أذهان كثير من العرب، ولم يسع إلى تغييرها؛ لذا يأتي واحد من أسباب عدم الانتشار مرتبطاً بهذه الصورة المسبقة عنا. وسبب ثان لانحسار الانتشار، يأتي به ضعف كثير من الإنتاجات السردية اليمنية إذا ما قورنت بغيرها من الكتابات السردية العربية. وسبب ثالث يعود إلى طباعة كثير من الأعمال محلياً وعدم القدرة على توزيعها في جميع المحافظات اليمنية ومختلف دول العالم العربي فضلاً عن الغربي، كما يمكن القول: إن ضعف الإشهار لهذه الأعمال في وسائل الإعلام والإعلان المختلفة وعدم مواكبة النقد التعريفي أو التحليلي لصدورها يعد سبباً رابعاً.

أما عن التقييم، فالأمر فيه صعوبة؛ لأنني أحتاج لمسح شامل للإنتاج السردي في اليمن؛ لكي أستطيع أن أحكم انطلاقاً منه. ولأننا -اليوم- نشهد ارتفاعاً متزايداً للإصدارات السردية عندنا، فلا بد أن يصاحب تكاثف هذا الكم وجود الجيد وإن قل، ولعل من شُهد لهم بالتميز في الإبداع من كتاب السرد في اليمن يكونون نماذج جيدة للجدد من كتاب السرد الذين يطمحون إلى اللحاق بهم أو تجاوزهم.

* بوصفك متخصصاً في تدريس الأدب وقارئاً متابعاً لفن الرواية، لماذا الرواية اليمنية تراوح مكانها رغم أن بداية كتابة الرواية في اليمن بدأت عام 1920م ؟ هل يُعزى ذلك إلى تقصير الروائي اليمني أم أن للأمر أسبابا أخرى؟

– لقد أخرج أكثر من باحث وأكاديمي يمني رسائل علمية ومؤلفات ترصد صوراً متنوعة لتحولات الرواية في اليمن بطريقة تحقيبية زمنية أو نسقية. أذكر على رأس هؤلاء الدكتور عبد الحكيم باقيس في كتابه: “ثمانون عاماً من الرواية في اليمن”، وكذلك الدكتورة آمنة يوسف والدكتور إبراهيم أبو طالب والدكتور صادق السلمي والدكتور أحمد العزي صغير والدكتور طه الحضرمي والدكتور عبد السلام الربيدي والدكتور عصام واصل والدكتور محمد المحفلي والدكتور علوي الملجمي، هذا عدا ما كتبه الدكتور عبد العزيز المقالح وهشام علي وغيرهم كثير ممن لم أطلع على ما كتبوا أو لم تسعفني الذاكرة باستحضار أسمائهم؛ فقد ركز كثير ممن ذكرت على تجلية التحولات الموضوعية والسياقية والتقنية للرواية في اليمن، وهذه الأسماء كافية؛ لإدانة كثير من كُتَّاب الرواية اليوم الذين لم يتابعوا ما قدم في هذه الدراسات من رؤى تعينهم على عدم الارتكاس بكتابتها والرجوع بها إلى الوراء؛ لذا سأجزم بأن غياب الوعي النقدي والنظري والقصور في المتابعة من قبل الروائيين، هما من أهم أسباب ارتكاس الكتابة الروائية في اليمن اليوم، إلا أنه من الواجب استثناء قلة قليلة من الروائيين اليمنيين الذين انعكس وعيهم ومتابعتهم للنظرية والنقد وقراءاتهم في مجالات مختلفة على ما يكتبون؛ فهؤلاء ما زالوا يسهمون في تحريك تحولات الرواية إلى الأمام، وعلى من يرى في نفسه روائياً الاقتداء بهم؛ حتى تستطيع الرواية في اليمن الخروج من المراوحة في مكانها الذي رأينا أن كثيراً من كتابها اليوم لا يبارحونه.

* يعج المشهد الروائي بالكثير من الروايات النسائية، هل اطلعت على بعضها؟ وهل تجد أن هناك خصائص نوعية فيها، يمكن أن تسمح لنا بالحديث عن أدب نسوي؟

– أكذب إن قلت باطلاعي الكلي عليها، ولكنني قرأت بعض الروايات لكاتبات يمنيات، ووجدت أن كثيراً منهن ما زلن يكتبن بعقلية الذكور؛ فالقضايا التي يدافعن عنها دافع ويدافع عنها كثير من الكتاب الذكور، والتقنيات هي هي، واللغة كذلك، ولكنني وجدت بعض ملامح نسوية في بعض التعابير وفي بعض تصويرات الجسد من زاوية نظر أنثوية وفي بعض طرائق الحكي وغيرها، ولكنها لا ترقى إلى القول بأننا أصبحنا أمام رؤية نسوية للعالم.

النشر والنشر الالكتروني

* لننتقل الى موضوع النشر وتوقف واختفاء المجلات الثقافية والملاحق الأدبية من الساحة بفعل الحرب؟ الى أي مدى أثر ذلك على الأديب اليمني؟

–      أي أديب محترم لما يكتب، سيؤثر عليه هذا الانقطاع تأثيراً كبيراً؛ لأنه يعي أنه بحاجة دائمة لتزويد نفسه بكل ما هو جديد من جهة، وأنه بحاجة للمواكبة الدائمة من جهة ثانية؛ لأن المواكبة تجعله يرى المستوى الذي وصل إليه بالقياس إلى غيره، والجديد يجعله يطور نفسه باستمرار، ولكنني أظن أن الفضاء الإلكتروني قد عمل على حل إشكالية الانقطاع ولو بشكل نسبي؛ فمن أراد الجديد والمواكبة لما يصدر في العالم والعالم العربي بالذات، فلن يعدم وجود الحل النسبي فيما يقدمه الفضاء الإلكتروني.

*صحيح، وسائل التواصل الاجتماعي فتحت الباب على مصراعيه للنشر، لكن هل تراها وسيلة مناسبة لنشر الأدب؟ وهل تجد أنها أضافت للأديب أو أنها هبطت بالمستوى والذائقة لدى الطرفين (الكاتب والقارئ)؟

-لا زلنا نعرض في وسائل التواصل أدباً مكتوباً اتسعت معها دائرة كتابه كما اتسعت دائرة قرائه، إلا أن هذه الوسائل لم تستطع -اليوم- أن تنتج أدباً خالداً كما فعلت الكتابة؛ لأن المكتوب فيها وبها أصبح خاضعاً لشروط هذا الوسيط الإلكتروني ووسائله التواصلية المختلفة ومفتقداً –في الآن نفسه- لاستثمار إمكاناتها في تطوير أدبيته؛ لذا لا بد أن تتغير مقاييسنا الجمالية شيئاً ما تجاه الأدب المكتوب (الرقمي) على هذه الوسائط والوسائل. أما إن أنتجنا أدباً ترابطياً وآخر تفاعلياً، فلا بد من إرساء ذائقة جمالية جديدة لها وأجهزة فهم جديدة لنقدها، ولا يجب أن نظل مسلحين بالترسانة التذوقية والنقدية القديمة؛ لأننا بها لن نستطيع التعامل مع هذه النصوص ولا فهمها ولا تذوقها ولا نقدها. إذن لا بد من معرفة كل ما مضى، لكي لا نقيس دوماً الجديد إلى الماضي والترابطي أو التفاعلي بالمكتوب رقمياً أو ورقياً، ولكي نستطيع تقبل المتغيرات على جماليات العملية الإبداعية وعلى تذوقها وعلى نقدها دون طرح أحكام الصواب والخطأ والجودة والرداءة عليها بالقياس إلى غيرها من النصوص التي أنتجتها وسائط ووسائل مختلفة عنها.

حديث شخصي..

*ماذا لو عدنا قليلا إلى الجانب الشخصي، ونسأل من هو الدكتور محمد الكميم؟

– بعيداً عن البطاقة الشخصية والصفة الأكاديمية والإجابات ذات الطابع المفذلك والمشعرن، أنا إنسان مهووس بالمعرفة التي افترست مني أحلى سنوات عمري دون أن أجد مقابل ذلك عائداً يعينني على تحمل أعباء الحياة الشخصية والأسرية والعلمية إلا راتبي الذي لم أتمتع به -بعد حصولي على الدكتوراه- إلا سنة وبضعة أشهر، كما أنني شخص مهموم بالإنسان اليمني والعربي وبقضاياهما المصيرية وحقوقهما المنتهكة على كل الأصعدة وبرؤاهما للعالم وطرائق تفكيرهما إلى درجة الشعور بالاغتراب عنهما وإلى درجة الانعكاسات السلبية على نفسي وعلى من حولي من أفراد أسرتي ومحيطي العام الذي لا يستطيع تفهم ما أنا غارق فيه؛ من أجله ومن أجل غيره.

*دكتور محمد! عرفتك منذ التسعينيات وتقطعت بنا السُبل حتى التقينا مؤخرا؛ فأنا عرفتك قارئاً أكثر من بقية أصدقائنا، ترى ما الذي أضافته إليك القراءة، وماذا أخذت منك؟

–      لذة القراءة -لمن تعلق بها- لا تضاهيها لذة؛ لأنها تجعلك في حالة اكتشاف دائم لكل شيء، وتمكنك من امتلاك خلاصة عقول العباقرة والعظماء والكبار والصغار من العلماء والأدباء والكتاب والباحثين في شتى المجالات، فتضيف بذلك –كما يقول العقاد- أعماراً إلى عمرك بما تتحصل عليه من خبرات ومعارف ومهارات واسعة جداً إلى جانب ما لديك.

وبغض النظر عما سبق، أرى أن أهم إضافة قدمتها القراءة لي هي فهم العالم من حولي بشكل أفضل، والفهم الأفضل للعالم يمكنك –على الأقل- من التعامل معه بشكل جيد إن لم يمكنك من السيطرة عليه والتحكم فيه، كما أنها غيرت من سلوكي وتعاملي مع ذاتي ومع الآخر ومع الواقع، وكسَّرت صوراً نمطية كثيرة كنت أؤمن بها؛ فأصبحتُ، بتكسرها وتغيرها، أعي أننا لسنا مركز الكون وأننا لا نمتلك الحقيقة المطلقة، وهذا الوعي أمدني بالقدرة على الاعتراف بالآخر، صديقاً كان أم عدواً، وبحقه في والوجود والحياة والمغايرة، كما جعلني أؤمن بحرية الرأي والاعتقاد والاختلاف. أما ما أخذته مني، فجل عمري وكثير من بصري وصحتي وراحتي وما لا أحسب من كسبي المادي، وأما أَمَرُّ ما فعلته بي أنها حرمت أبنائي وأهلي ومجتمعي الصغير من كثير من حقوقهم فيَّ وحظهم مني ومما لن أسامح نفسي عليه إطلاقاً.

* أين أنت من جيلك الذي فرقتهم سنوات التعب؟

-هناك من تجاوزته معرفياً وتجاوزني في غير ذلك، وهناك من تجاوزني معرفياً وغير معرفي، وهناك من بقيت وإياه نكابد عناء المعرفة والحياة إلى اليوم كأيقونة المعرفة والإنسانية توأم الروح الدكتور: محمد فائد البكري، وهناك من فارقنا إلى حياة غير التي اتخذناها، فأصبح يضحك مما يرانا عليه في ظل هذه الأوضاع القاتلة، وهناك من فارقنا إلى ديار غير التي نحن فيها، فأصبح يعيش نعيم المعرفة والدنيا، وهناك من غادرنا إلى العالم الأخر، ولعله يرانا ويأسف لحالنا.

* دكتور محمد! حتى الآن لم نر لك أي إصدار في النقد رغم حضورك الدائم في المشهد الثقافي؟ هل هو تقصير منك أو أن ظروف البلد لم تساعدك على النشر؟

–      لن أبرئ نفسي من التقصير، ولكن إن كان إصدار الكتب والكتيبات هو مقياس الاعتبار للكفاءة والمكانة، فوجهة نظري تقول بأن إعدام كثير من الكتب المطبوعة كان أفضل من إصدارها؛ فكثير من هذا الكثير لا يحمل في طياته أدنى صور الأمانة أو المسؤولية تجاه الكلمة والعلم والأدب والثقافة ولا تجاه من تكتب لهم وتؤلف من أجلهم. ولعل السبب في تكاثفها، يعود إلى غياب الرقيب الذاتي على النفس من قبل الكتاب أنفسهم، وإلى تقصير الرقيب المؤسساتي الذي سنقصره -هنا- على الجهات المانحة لتراخيص الإصدار وعلى المراجعات النقدية في الصحف والمجلات وبقية وسائل الإعلام وعلى نقد النقد الذي لو فعل من قبل مختصين لَحَدَّ –على الأقل- من تفشي وباء الإصدارات اللامسؤولة.

أما إن كنت تشير إلى تأخر إخراجي لرسالتي الماجستير والدكتوراه ولأبحاثي العلمية ومقالاتي المنشورة وغير المنشورة، كما فعل ويفعل كثير من الزملاء، فالسبب يعود إلى شعوري الـمَرضي بالمسؤولية تجاه الكلمة في المقام الأول، وإلى نقدي الدائم لكتاباتي في المقام الثاني، وإلى طموحي للخروج من قوقعة المحلية من خلال نشر كتبي في دور عربية يثق القراء في قيمة ما تنشره ويثق المؤلفون في توزيعها لكتبهم على أوسع نطاق في المقام الثالث.

أما إن كان استعجال الكتاب بنشر إصداراتهم ومراكمتها؛ لكي يُعرِّفوا بذواتهم وينالوا الاعتراف بقيمة ما يكتبون، هو الغاية عندهم، فأنا لم أتوقف عن النشر الدائم لأبحاث ومقالات لم تجمع في كتب بعد، وهذه الأبحاث والمقالات التي تأتي في إصدارات منشورة كفيلة بتعريفي والاعتراف بي أكثر من الكتاب الذي تضيق دوائر تداوله.

*اسمح لي دكتور محمد ان اعتبر سؤالي هذا شخصيا، ما تقييمك للعلاقة بين المثقف والسياسي؟ وهل فعلاً تخلت النخب الثقافية عن دورها وأصبحت تابعة؟

– تتخذ علاقة المثقف بالسلطة صورة نمطية تلخص في أن المثقف هو ذاك المعارض للسلط عموماً، والسلطة السياسية على وجه التحديد، وقد تتخذ صورة نمطية أخرى تلخص في تقسيم المثقف إلى: مثقف انتهازي تابع للسلطة وآخر مناضل معارض لها، والأخير يوصف بأنه المثقف الحقيقي، ولكن صور المثقف لا يجب أن تتخذ هذه الحدية؛ فهناك مثقفون تابعون للسلطة فعلاً، ولكنهم يقومون بإحداث تغيير من داخلها، وهؤلاء قلة، وغالباً ما يكونون عرضة للاتهام من الطرفين.

لن أخوض في الجدل المتسائل عن: من المثقف؟ وهل لدينا في اليمن مثقفون؟ ولكنني سأقول لك: إن كثيراً من المثقفين بصورهم المختلفة خانوا واجبهم ومسؤوليتهم وانتصروا لذواتهم تاركين الإنسان اليمني بلا أفق وبلا قضية وبلا هوية وبلا دفاعٍ واعٍ عن همومه وحقوقه ووجوده وحياته في هذه المرحلة من تاريخ اليمن، ومن بقي من أولئك القلة، لا سند لهم ولا داعم ولا منبر؛ لذا تجد أصواتهم تكاد تضيع في الزحام.

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading