أبعاد اليد والمرآة.. قراءة للمجموعة قصصية “اليد التي علّقت المرآة” للقاصة هدى جعفر

Published by

on

مها شجاع الدين

العتبة الأولى: العنوان

اليد التي علّقت المرآة عنوان طويل لكنه مثير للجدل، فما المقصود باليد التي علّقت المرآة، وأي يد هذه؟ ولماذا علّقت مرآة دون غيرها؟ أسئلة شتى تنهال على القارئ منذ رؤية العنوان، وحتى وبعد الانتهاء من قراءة المجموعة لا يجد القارئ عنواناً واحداً لتلك القصص يحمل أو يشير لهذه اليد، لكن المتفحص لمحتوى النص القصصي سيدرك الرابط بين جميع تلك القصص وعنوان الكتاب، إذ أن اليد ترد في مواطن عدّة في السرد القصصي فما بين يد أخذت دمية وأخرى التقطت كاميرا ويد مثقوبة وأخرى تصنع المعجزات، ويد تقتل صاحبها وأيدٍ كثيرة تتمادى وأخرى تنتظر المال وأخرى تحمل ساعة وغيرها من الصور والدلالات المتباينة، يبقى السؤال حاضراً أي يد هذه وما دلالتها الكامنة خلف سياقاتها المختلفة؟

فاليد في صورتها الذهنية المرسومة لدينا هي رمز للعطاء والإحسان والعمل والسعي، لكن يد المجموعة يد علّقت المرآة، أي أنها تجمدت بحركة واحدة ثابتة تدل على العجز، أي أنها ستكتفي برصد الانعكاس ولن تغير شيئاً به فتظهر جمالية الدلالة في تغير تلك الصورة الذهنية فهذه اليد لا تعطي بل تعلق مرآة ولا شيء غير ذلك.

لتفتح هذه الدلالة دلالات رمزية أخرى للقارئ عن ماهية هذه المرآة واليد.

إذ أن لفظة يد تثير التساؤل فلماذا هي “اليد التي علقت المرآة ”

وليست “يد علقت مرآة”؟ فقد وردت كل من “يد ومرآة” بصورة المعرفة لا النكرة، ولعل تفسير ذلك أن كلاً من اليد والمرآة هما شيئان معروفان ومحددان يدركهما القارئ من خلال تلك السياقات والإشارات الرمزية التي تحيل لصورة ما لا مواربة فيها فيدرك القارئ المعنى الخفي فيها.

فهذه اليد التي اكتفت بتعليق المرآة يد عاجزة عن تغيير المسارات والأحداث.

وللمرآة هنا دلالة رمزية فمن خلالها يكشف تاريخ الأفكار فهي التجسيد الرمزي للروح وأن الحقيقة ليست خارج الإنسان، مثلما أن الإنسان هو جوهر الحقيقة، فالمرآة هنا ليست إلّا مرآة الذات والتي تجسدت من خلال السرد القصصي في مواطن شتى منها حين وجدت “فجر” حقيقتها أثناء ليلة الحكي فعرفت ذاتها على حين غفلة ونجدها في نهاية المسار تترك مهنتها وتعود لذاتها المتشظية، ونجدها حاضرة في “نصف بصلة”  لنجد أن الأخوين لم يدركا ماهية الأشياء فالمرآة معطلة تماماً.

والمرآة هنا ماهي إلا رمز تجسد من خلال تلك القصص التي لا تشبه بعضها فهذا الوطن الذي انعكست صورته في عيون الآخرين وفقد ذاته تعددت قصصه فكل يدٍ تكتب ما تريد.

ما يميز هذا العنوان أنه يعد صورة سينمائية مبهرة لنجد أننا قد وقعنا في وطأة رسم تلك اليد التي علقت المرآة.

 

العتبة الثانية لوحة الغلاف للفنانة نور هاشم سيف

إن المتأمل للوحة بكل تفاصيلها وألوانها يجدها تحمل طابعاً سينمائياً رغم غرائبيتها، وأجد أن هذه اللوحة سرد قصصي فنتازي فهذه اللوحة تمثل حالة من حالات تجسيد لحظة ترتيب الذات وفتح منافذ أخرى فما بين صراع الماضي والحاضر أجد حضوراً أنثوياً متأملاً رغم غموضه إلّا أن هذا الحضور الهادئ قد يوحي بالنقيض فهذه اليد المتشظية قد عكست لنا حالة عجزها.

تمثل هذه اللوحة امتداداً للعنوان وللمتن القصصي فما بين واقعية الحدث وفنتازيته تبقى الذات في فضاءات مجهولة تبحث عن جوهرها وكأنها قد عُلّقت في مكان ما في هذا الفضاء فبات مصيرها مجهولاً أو مهمشاً لا يعني أحداً.

 

العتبة الثالثة تتجلى في السرد القصصي في المجموعة التي تكونت من سبع قصص متنوعة ومتباينة في حجمها وفضائها الزماني والمكاني لكنها في الوقت ذاته متقاربة في الدلالات والرؤى، وإن اختلفت في عرضها وسردها، فما بين سرد قصصي متماسك وصورة سينمائية تتجسد للقارئ يعيش القارئ عوالم مدهشة إذ يُمزج الواقع بمرارته بعوالم فنتازية غرائبية مدهشة فالنص السردي يأخذ بيد القارئ لعوالم تشبهه كثيراً، لكنها في الوقت ذاته تعريه وتكشف خباياه من خلال تلك المرايا، ليجد القارئ نفسه في عوالم تحمل نهايات غير تلك التي رسمها فهو محاصر بوصف سينمائي غرائبيي مدهش وبلغة تحمل في جنباتها طابع المتعة ونفساً سردياً بقالب روائي بديع، فالنص القصصي المكتظ بكل تلك العوالم يتأتى ليناقش قضايا اجتماعية سياسية إنسانية بقالب سردي رمزي محكم.

فما بين ساعة الوقت التي توقفت عن العمل والتي تخبرنا أننا أصبحنا خارج إطار الزمان والمكان بعزلة تامة بفعل الحروب والعبث الحاصل في هذه البلاد يجد القارئ أنه قد سُلب فلا ذات ولا مرايا ولا يد تمتد إليه! فالتيه هو الفضاء الذي لا مفر منه.

فالحرب قد نالت من الكثير فما بين ضياع وتشظٍ ماتت الأحلام وتوقف الزمان والمكان ليجد ذاته خارج السرب على الرغم من أنه “شعرةٌ في صحن العالم”!

إن النص القصصي في هذه المجموعة يحمل طابعاً مونودرامياً إذ يغوص في وجع اليمني ومعاناته كإنسان بات بلا هُوية وكأنه مجرد “نصف بصلة” أو “غازي” دمية لا قيمة لها.

ما يحسب للنص القصصي أنه قد صور تلك المرآة “الوطن” بواقعية ممزوجة بغرائبية لنجد “صنعاء” حاضرةً رغم نبرة الحزن في ذكرها، أما “عدن” التي ترقد على فوّهة بركان وحولها بحر، نجد “عدن” مدينة النار والماء، كما تتجلى تعز وحضرموت والعديد من المدن، فهذه المرآة قد تجلّت لنا بمدنها وأزقتها وشوارعها وخبايا أهلها فهذا الذِكر لم يكن عبثا إذ أن ذلك يوحي بواقعية الحدث رغم غرائبيته في النص السردي القصصي.

إن هذا النص المفعم بالفقد والصراع يعكس لنا ذلك الصراع اللامتناهي الذي يعاني منه هذا البلد، فالمجموعة مكتظة بالوجع والفقد بكل تجلياته وصورة المؤرقة.

كما تتميز هذه المجموعة القصصية بالصورة الحسية التي تتجسد للقارئ وكأنه مشهد سينمائي مفعم بتفاصيل كثيرة ورغم هذا الاحتشاد الصوري يجد القارئ ذاته في ذلك رغم أن القاصة قد كتبت تلك القصص بأسلوب مختلف وموارب فما بين الرمزية والمباشرة يبقى باب التأويل مفتوحاً وباب السرد وإكمال بياضات النص متاحاً للقارئ، فالمجموعة قد تركت مساحة للقارئ لسد الفراغات وإتمام المشهد والصورة كيفما شاء لتكون له مساحة ليعكس بيده صوراً وقصصاً تحكي واقعاً مريراً فهذه اليد التي علّقت المرآة قد تركت سؤالاً لا جواب له!

فأين هو موقع هذا اليمني من العالم؟  إذ أن هذه المجموعة قد نثرت الملح على الجرح فهي تبحث عن هُوية مسلوبة في ظل هذا الانفتاح المخيف على عوالم لا متناهية.

 

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading