لطف الصراري
2007
لا أدري ما إذا كان ضروريا أن أشير، بداية، إلى “القصد” الذي يقف الله دائما وراءه، لاسيما في مجتمعنا الذي تتوافر فيه دائما، وتتكاثر، أشكال متعددة من التصاميم المضادة للفهم. معظم “العراطيط” ربطتني بهم علاقات جيدة لدرجة أني احتسبت في كثير من الأحيان-ولا زال البعض يفعل- من العراطيط. وفي هذا الصدد، لم أكن أفكر بحساسية تجاه هذا التصنيف، على تقززي المبالغ من قتل التفاعل القواسمي بين الكتاب بتصنيفات مماثلة قائمة على تسميات إطارية لحراك أدبي وثقافي شرطه البيئي الرئيس هامش بطول وعرض الصفحة من الفردانية والاستقلالية. كان هذا الهامش موجودا عندما كان مجموعة من الكتاب في تعز يلتقون بشكل يومي وشبه يومي، ليس لمناقشة وإقرار نظام أساسي أو إدراج أجندة جديدة لما يفترض أن يقوموا به من أجل خلق “حراك أدبي وثقافي”. لا بأس في أن أتحدث عن تلك الفترة التي عرفت خلالها من أين جاءت تسمية “العراطيط”. مجموعة الأصدقاء-قبل كل شيء- الذين كانوا يقضون معظم أوقاتهم سوياً، كانوا يكتبون ويرسلون للنشر: شعر، سرد، ملفات صحفية وأدبية. يقرؤون أقصى ما يمكنهم من كتب ودوريات يختارونها بعناية، ويخبر أحدهم الآخر عن أهم ما قرأه ويعرض وجهة نظره مدعومة برؤية ذاتية كانت/ولا زالت/ من أهم ما يعزز علاقتهم.
في نهاية العام 2005م، حيث وصلت حلقة التواصل التي كانت قد بدأت في العام السابق له في مقر الإدارة الثقافية بجامعة تعز(البدروم)، كانت مجموعة الأصدقاء تتوسع بتعارفات جديدة يسهم في تحقيقها كل من يعرف كاتباً، مهتماً أو صاحب رؤية لم تتعرف عليه المجموعة بعد. الشقة التي كان يستأجرها في البداية مطيع عباس واستأجرها تالياً صادق غانم، وبعده “أحمد صادق الذي صارحني ذات يوم أن أمنيته في الحياة أن يظل صامتاً إلى الأبد”، كانت الحاضنة التي فرخت أصدقاء يتعارفون بطريقة مميزة جداً: لا يتم تبادل المجاملات أو عبارات الترحيب المعتادة والإطراء. هناك طريقة اقتحامية”غير جارحة على المستوى الشخصي طبعاً”. الذي لا يستطيع التأقلم مع هذا الاقتحام لا يصمد كعضو في مجموعة أصدقاء يتقاسمون أشياء كثيرة وليس لديهم مشكلة مع آخر لا يمارس الوصاية أو الوعظ أو التنظير بخطوطه العامة لما يجب أن يكون. أما الإطراء فلا يستخدمونه إلا مع شخص عجز عن التأقلم أو كشتيمة بأسلوب سخرية مبطن غالباً ما يكون مناسباً لماجد المذحجي ليسب العار، أو لمحمد علي المقرعي بمقولته الشهيرة لدينا:”شلطم جاهل”، بينما يكتفي كمال شعلان بوصف الشخص المطري بـ”المناجم”/المساجل البارع. لا أحد يجيد العرعرة مثلما يفعل ماجد المذحجي، ومع ذلك لم يقترح أحدهم إطلاق اسم “جماعة العراعير” مثلاً. نحن فقط أصدقاء، نكتب، نقرأ، نهرّج، ونشعر ببعضنا مع اتفاق ضمني عادة أو صريح نادراً على أن العالم مليء بالمنغصات وأنه تافه وجدير بأن يعاش في وقت واحد. أشياء متناقضة لكنها تناسبنا. في تلك الشقة عرفت أن عز الدين العامري لديه مجموعة قصصية بعنوان: “العرطوط”، وأن تسمية “العراطيط” قد لحقت في بداية الأمر، بالإضافة إليه، بـ”صادق غانم وريان نجيب”، وأنهم كانوا يؤرقون بنزقهم اتحاد الأدباء والكتاب بتعز وحتى الأمانة العامة للاتحاد، في أية ممارسات وصائية أو تهميشية للكتاب والمبدعين بتعز. كانوا ينتقدون بحدة، تركيد الفعاليات الثقافية والأدبية في فرع الاتحاد ويستقبلون الكتاب الشباب وغيرهم على اختلاف أطيافهم في مقر الاتحاد. كان صادق غانم حينها يقوم بأعمال اللجنة الثقافية وسكرتارية فرع الاتحاد. كانوا يعرفون ماذا يقولون أو يفعلون ومتى. لذلك كانوا جديرين بهز عرش البيروقراطية في إدارة الشئون الثقافية والأدبية. توسعت دائرة العراطيط لكنها لم تكن قد أخذت بعد طابع الجماعة الأدبية كما تم تداولها فيما بعد (سأذكر لاحقاً شيئا عن التهافت الذي حدث لاكتساب لقب العرطوط). وارتبطت التسمية بحالة من العطالة واليأس والتذمر من معظم مظاهر الواقع، وفي الحقيقة لم يكن الجميع هكذا، فقد ظل النزقون منهم يرفضون المبيت على الرصيف ومفاقمة أزماتهم. لكن البعض الآخر للأسف، بدوا مقتنعون بحالة العطالة التي يعيشونها، ومتمسكون بوهم الحاجة إلى عدم مزاولة أي نوع من العمل والتفرغ للكتابة والإبداع. كانت العطالة واليأس أشبه بعدوى تنتقل من واحد إلى آخر.
هذا المزاج، بالإضافة إلى حماس القادمين الجدد، ولّد لدى الأغلبية حالة صوتية مرتفعة في نقد أي مظهر سلبي في المؤسسات الثقافية، وكان وجود مجموعة الأصدقاء سالفي الذكر يخفف من حدة الصوت أو ارتفاعه بطريقة مزعجة. ولعل أقرب ما يشير إلى ذلك، كمثال فقط، الصيغة النهائية للبيان الذي أعلنت فيه تعز منطقة منكوبة ثقافياً في 25/11/2006م بعد أن كانت الصيغة الأولى للبيان متضمنة أغنى ما يجود به قاموس الشتائم المفرغة من الحجة المنطقية على الأقل. في ذلك اليوم الذي شيعنا فرع الاتحاد رمزياً إلى مقبرة (الاجينات)، غاب عدد كبير من العراطيط الذين استبسلوا فيما بعد للتشدق بأدبيات “جماعة العراطيط”. وأصدروا، بعد البيان الذي أصدرناه، بياناَ آخر يمكن الاطلاع عليه في موقع نبأ نيوز-حسب تصفحي- وبالإمكان قراءة ما طالبوا به باسم كتاب وأدباء تعز ومعظمهم لا يعلمون بذلك، من “إعادة الاعتبار لتعز كعاصمة ثقافية”.
في الفترة التي انتقلت الشقة إلى ولاية صادق غانم، فاجأنا ذات يوم بفكرة إقامة معرض تشكيلي لريان نجيب داخل الشقة. رأينا في ذلك طريقة مناسبة للاحتجاج على قلة اهتمام المؤسسات الثقافية وعدم اهتمامها أو سوء تقديرها لامتداد موهبة وإمكانات كاتب وفنان يمضي بخطى صامتة. كان إعلان الخبر بصيغته التي نشرت متضمناً أن “شلة العراطيط” هي التي تقيم هذا المعرض، رغم أن التسمية التي أيدناها لاحقاً كانت “بيت صادق للفن”. منذ ذلك الوقت بدأ انتشار تسمية “العراطيط” مقترنة بالإعجاب بطريقة إقامة المعرض وبعض النتاجات الفردية. تكاثر الراغبون الانضمام للجماعة دون أن يكون لدينا مخطط أو حتى مجرد نية لإطلاق التسمية. وفي الحقيقة، كان هناك تحفظ كبير من إطلاق تسمية تؤطرنا وتفرض علينا بعد ذلك، بشكل تلقائي، قبول أو إقصاء أعضاء جدد والدخول في معمعة استمارة انتساب وضوابط عضوية وما إلى ذلك من الأشكال الإدارية التي تحولنا إلى مستخدمين لإقامة الفعاليات فقط . لذلك بقينا على ما نحن عليه.
حدث أن سافر محمد الوصابي للعمل في السعودية وماجد المذحجي إلى صنعاء ثم لحقه صادق غانم، ومطيع عباس إلى إب، ومحمد علي المقرعي بين عدن وتعز في برنامج الماجستير. بقي ريان نجيب، كمال شعلان وأنا، بالإضافة إلى بعض الرفاق غير المنتظمين في مجموعة الأصدقاء بسبب انشغالهم أو بسبب التأقلم الطفيف. في أول فعالية أطلقت باسم العراطيط(قمت بتغطيتها لنادي القصة اليمنية المقة) كان الصوت الحاد والمرتفع في آن، قد بدأ بالتكاثر، وازداد حدة وارتفاعاً في فعاليات لاحقة في مقابل خفوت صوت “العرطوط الاول” عز الدين العامري على طريقة “العاقل اللي ما يعرفش يحكم سوقه”، مضى في هدوئه المعتاد وسط الضجيج فيما يشبه التأقلم مع الوضع الجديد “الحُبّي”. من حينها، وجدنا أنفسنا (ريان نجيب، محمد علي المقرعي، كمال شعلان وأنا) مضطرين لإعلان عدم وجود ما يربطنا بما اتفق على تسميته (جماعة العراطيط الأدبية). كان ما أقدمنا عليه مبرراً برغبتنا في عدم الخوض في مراهقات أدبية لا يوجد في الأفق ما يشير إلى احتمالية نضج أصحابها، وكان ريان هو الوحيد الذي أعلن فك ارتباطه كتابياً في “رسالة إلى رفاقي العراطيط” التي نشرت في أكثر من موقع أليكتروني، أما محمد علي فكما اعتاد عليه الجميع بحدة وضوحه وقدرته على حسم الموقف شفاهياً، حسمه في أكثر من فعالية أو لقاء له بـ”العراطيط” لا سيما إزاء تلك الفعاليات التي كانوا يقيمونها في مقرات الأحزاب.
بالنسبة لي، ظللت ما يقارب العام-رغم أني كنت أول المتذمرين من الوضع- وأنا أحاول أن أتفهم على الشباب هذا الصوت المرتفع وخطاب الإدانة الذي يكيلونه للمؤسسات الثقافية والأدبية في كل فعالية يقيمونها، كما لو كانوا مجبولين على الاستنكار بمبرر أو بدونه، ولاحظت مؤخراً أن الاستنكار والمقاطعة لكل نشاط يقام داخل قاعة قد صارت من أدبيات العراطيط وثقافة يتسم بها معظم الأعضاء إن يكن كلهم، وعلى طريقة العدوى السابقة. في البداية فرع اتحاد الأدباء، ثم فعاليات مؤسسة السعيد ومجددا فعاليات مهرجان الفضول الذي يقيمه فرع الاتحاد بتعز. هناك ما يبرر المقاطعة لفعاليات فرع الاتحاد بسبب سياسة الاصطفاء (القبلي في معظم الأحيان) التي تمارس في انتقاء القائمين على تنفيذ ما يمكن وصفه بـ(مهرجان تخزيني) في مجلس الاتحاد، لكن أتذكر أننا عندما ذهبنا لتشييع الجنازة الرمزية للاتحاد خرج جميع من كانوا في مجلس القات من المقر بمن فيهم رئيس الاتحاد، ولم يعودوا لمهرجانهم شبه اليومي إلا بعد أن غادرنا وبعد مفاوضات اعتبرتها ذات أثر قوي للغاية في استجابة رئيس الاتحاد حينها واستعداده لقبول أي مقترح. كان هناك ما يمكن تسميته (منطق قوي) يرتكز على نقد مفصلي لاختلالات وإقصاء واستفزازات، تمارس في حق الكتاب-منتمين وغير منتمين، لا يمكن إنكارها.
في البلاغ الصحفي المنشور مؤخراً (نشر في موقع أشياء بتاريخ11نوفمبر2007م) ما مفاده “انتخاب لجنة تنفيذية لإدارة شئون الرابطة” و”تحديد موقف” من مهرجان الفضول الذي أضافوا إليه جريمة “اغتيال”، يثبت العراطيط على أنفسهم صفة المراهقة والابتعاد الفعلي عن إمكانية النضج على مدى بعيد طالما هم يعتمدون هذا الخط من التفكير. لم تكن الأحكام الاستباقية القاطعة على فشل أو نجاح فعالية ما دليل نضج ثقافي أو أدبي، خاصة في ظل اتخاذ قرار بالمقاطعة التي لو أردنا أن نتظارف قليلاً-وهناك ما يثير ذلك فعلاً- لقلنا أنها لم تؤثر على الدنمارك كما أثرت على تجار الاستيراد والتصدير المسلمين، كما أنها -المقاطعة- لم تعد سياسة معتمدة حتى لدى أحزاب المعارضة اليمنية. ثم كيف يكون قرار المقاطعة هذا لفعاليات مهرجان “اغتيال” الفضول الذي تم التوصل إليه في “ظل أجواء حُبّية(من الحب تقريباُ وهذا استنتاجي طبعاً) خلقتها روح الألفة والإحساس الجماعي بالهم الثقافي – وهما اللذان كانا بالأصل النواة الأولى لميلاد هذا الكيان”، ومن قال أن الأجواء “الحبّية” والأحاسيس المرهفة بـ”الهم الثقافي” كانتا “النواة الأولى”؟ كان لدينا /وما زلنا/ مشاريعنا التي نقدر أنها سترى النور في ظل الاهتمام بذواتنا كل على حدة، ولم يكن لدينا مشاريع إدارية “لإدارة شئون الرابطة” حتى أننا لم نكن نعرف “الشئون” أصلاً. وبالنسبة للأحاسيس المرهفة فطالما اعتقدنا أنها مناسبة للسخرية أو لاستخدامات أخرى تنطوي على نوايا لاذعة. (الطبطبة والتربيت على الكتف غير موجود).
لقد انبهر كثيرون بالاصطلاحات الغنائية والرثائية التي يعزفها “العراطيط” من رفض لسياسات المؤسسات المعنية التي “تهمش” دور أدباء المحافظة ولا تعترف بـ”الرابطة”. ومع احترامي لأولئك الذين أشادوا لدرجة التغني منبهرين بالبرنامج العرطوطي، إلا أنهم قد كشفوا عن عماهم في قراءة مفردات وثيمات الرفض المستخدمة في خطاب ترويج “الرابطة”. أما أولئك الذين وقفوا على هذه النقطة وأبرحوا العراطيط بأوصاف انتقاصية للغاية، فقد كان عليهم تركيز قراءتهم على الخطاب لا على ما أسموه “الرغبات السريرية”. والحال أن “جماعة العراطيط” أو “رابطة الشارع الإبداعية” لا تتوافر على خطاب أدبي أو رؤية ثقافية، لأنها مشغولة بـ”إدارة شئون الرابطة” وليس لديها الوقت لبلورة طريقة تفكير تساعد أفرادها على تبني مشروع إنتاج أدبي. ويبدو واضحا أن مجرد نشر خبر عن إقامة فعالية في الشارع مرفقاً بصورة رقمية ملتقطة من زاوية محترفة، هو السقف الذي يمكن أن يصل إليه طموح “عرطوط”، وكافياً للتشبع بالرضا والاستماتة في العودة لـ”إدارة الشئون” والتآزر المتباكي أو الصراخ.
تنويه وشعر لا بد منه:
أتمنى بالفعل، أن يزدهر العراطيط أدبياً بـ”رابطتهم”، لكن بالمقابل، أتمنى عليهم ألاّ يطلقوا الأحكام باسم أدباء وكتاب تعز، فـ”الرابطة” لا تمثل سوى منتسبيها الحاليين (هذا إذا كان هنا تنسيب قد حدث). وسأستغل السطور التالية لأعلن – كتابياً- عدم انتسابي لـ”العراطيط” أو ما يسمونه “رابطة أدباء الشارع” أو أية تسمية متفرعة منها، مؤكداً فردانيتي -حتى مع هذا الشكل الفج من التأكيد- في مجموعة أصدقائي، أصدقاء الطريقة الاقتحامية وتبادل (الحب، الكتب والنقود) بحرفية عالية وضمنية تلقائية. أصدقاء “مش للبيع”، ما عنديش مشكلة.. ومدريش”، الاندهاش والقهقهة بأثر رجعي”، “الخفة بلكنة شامية” و”العالم ليس مثالياً”. لدى جميعنا دائما أشياء نقولها ونفعلها؛ نحب الحياة أو نسخر من العالم، نلتقي أو نتواصل من بعيد “كل سنة مرة”، المهم أن يحدث هذا دون الحاجة لاجتماع لـ”مؤتمر تأسيسي” أو “انتخاب لجنة لإدارة الشئون”، بدون الحاجة أيضا للوقوف من وراء القصد..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– العراطيط: جماعة أدبية نشأت في اليمن سنة 2007.
اترك رد