صبري الحيقي
2007 م
هذه الورقة قُدِمَت في حلقة النقاش التي نضمها (نادي القصة “المقه”) في تاريخ16-7-2007م ؛ حول دور الرواية في تمرد المفكر والسياسي.
تمهيد:
أولا لدينا في محور هذا النقاش ، عدة ألفاظ: الرواية..التمرد..المفكر..السياسي.
ويمكن ، إيجاد علاقات بين التمرد والرواية .والتمرد والمفكر. والتمرد والسياسي.
وبالتالي يكون لدينا ثلاثة محاور. يربط بينهم جميعا موضوع التمرد ، من هنا ينبغي أولا أن نعيد التذكير بمفهوم التمرد؛ فالتمرد في اللغة ، هو العصيان ، و مصدر تمرد ، “مَرْدُ” و مما جاء في مختار الصحاح أن((مرد
المَرْدُ: ثمر الأراك الغضُّ… وغُصن أمْرَدُ: لا ورق عليه.))
أيضا مما جاء في المحيط في اللغة :
أن التَمَرّدَ هو ((…الطُّوْلُ…))
ومما جاء في العين :
((… وقد تَمَرَّدَ عليه أي عَصَى واستَعْصىَ.
ومَرَدَ على الشيءِ أي عَتَا وطَغَى، وكذلك قولُه تعالى:
“مَرَدوا على النِّفاقِ”…)).
وتاريخ التمرد لايمتد إلى عمق الأساطير القديمة فحسب ، وإنما يمتد إلى ما قبل الوجود الإنساني ، حيث يبدأ التمرد من موقف إبليس حينما رفض السجود لآدم :
كما جاء في أكثر من سياق قرآني ، ومن ذلك ما جاء في سورة الأعراف :
((ولقد خلقناكم ثم صوَّرناكم ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين، قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ قال: أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين، قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين)).
ومن الناحية الدينية فإن الديانة الإسلامية – وقبلها كل الديانات..- كانت تشكل تمردا على الواقع السائد ، ولهذا واجهت الكثير من العوائق قبل أن تترسخ .
وفي الأساطير يتذكر جميعنا أسطورة سيزيف الشهيرة الذي سرق الموت وكبله فيعاقب بحمل الصخرة، تلك اللعنة التي كلما وصل بها إلى قمة الجبل تهوى من جديد إلى أسفله فيعود ليحملها ….، وهي ربما تشبه لعنة العقاب التي حلت بـ “إبليس” . وهذا مفهوم ، أختلف كثيرا في الفلسفات الحديثة حيث أرتبط التمرد، بالمعرفة والحرية .
و من أشهر فلاسفة التمرد ” البير كامي” ثم جاء في النصف الثاني من القرن العشرين فلاسفة الاختلاف وعلى رأسهم :
” جيل دولوز” و ” جاك درايدا” و ميشيل فوكو” ، وهذه الفلسفات تصب في سياق التمرد ، تمرد المفكر على ماهو سائد من قيم يراها تتطلب الهدم ويرى ضرورة لتغييرها.
تأثير الرواية في تمرد المفكر
قبل أن نتحدث عن أثر الرواية في تمرد المفكر … ، من المهم أن نشير إلى المواضع التي تتلامس مع موضوع هذا اللقاء ، لعل هذا يجنبنا الانزلاق خارج حدود الموضوع ،ذلك مثل :
• طبيعة التمرد طبيعة المفكر . وظيفة التمرد وظيفة المفكر.
• دور النص في صناعة التمرد عند المتلقى.
• دور النص في تمرد المبدع.
• التمرد على الشكل الفني في بناء النص.
• التمرد على القيم الأخلاقية.
• التمرد على قيم سياسية ، أو منظومات سياسية .
• التمرد على قيم دينية .
التمرد طبيعة إنسانية دفعته على مدار التاريخ للتطور والابتكار والتجديد ، وهذا هو التمرد الايجابي . أما التمرد السلبي فلا يعنينا في هذا السياق.
أولا موضوع أثر الرواية على تمرد المفكر موضوع يحتاج إلى رسالة علمية تبحث وتتقصى وتخرج بنتائجها التي تثبت أو تنفى هذا الأثر . وهو موضوع حدده نادي القصة “المقه” ، لحلقة نقاش ، … ، وبالتالي فمن العدل أن أشير إلى إنني خلال ساعات من التحضير لن أتمكن من تقديم رؤية دقيقة حول الموضوع بشكل منهجي . ولكن يمكنني أن أشير إلى بعض المعلومات التي تتعلق بالموضوع من خلال التذكر السريع، لقراءات سابقة ، وقبل الحديث عن الرواية العربية ، لا يمكننا أن نتجاهل الرصيد العالمي الطويل الذي سجل دورا للثقافة بشكل عام في صناعة متغيرات الحياة .
الرواية حياة تشكل الذهن بخبرات جديدة ، وإذا كانت الأديبة الناقدة ” جورج سانت” المتمردة الشهيرة على التقاليد ، إلى درجة جعلتها تلبس لبس الرجال وتقيم علاقات واسعة مع كبار المبدعين في القرن التاسع عشر في فرنسا ، أمثال ” فيكتور هوجو” و ” الفريد دي موسيه” ، والفنان الشهير “ليست” و” وشوبان” فإنه على صعيد آخر لا ننسى ” فرجينيا وولف” التي أغنت الرواية العالمية برصيد مميز ، فهل كانت نهايتها المأسوية بالانتحار ، بأن تملأ ملابسها بالأحجار و تغوص في البحر ، هو بسبب أثر الرواية . أم أن هناك أسبابا أخرى … . لاشك أن الإبداع بشكل عام يشكل طوق النجاة للمفكر والسياسي في إقامة علاقات سوية مع الحياة… ، ونتذكر أيضا في النمسا كلٍ من ” توماس برنهارد ” و”الفريدة يلينك” المتمردان على سلطة الدين وسلطة الدولة معا ، مما عرضهما لمشاكل لازمت الأول حتى مات ، ولازمت الثانية حتى حصولها على جائزة نوبل، 2004م ، وكانت الرواية والرواية المسرحية والشعر ، السلاح والدفاع الوحيد الذي منع ” بنهارد” من الانتحار أكثر من مرة ، وحافظ على اتزان “الفريدة يلينك” نسبيا ، رغم مشاكلها النفسية التي أصابتها برهاب التجمعات . وقبلهما ” كان “أرتور شنتسلر” الذي فقد رتبه العسكرية بسبب كتاباته القصصية التي يتمرد فيها على ما يسمى بالشرف العسكرى .
من هنا سنجد أن التمرد يكون في طبيعة المبدع ينعكس في أعماله كما هو عند الكثير من الكتاب العالميين ، وفي السنوات الأخيرة برزت حكاية الأدب النسوى المتمرد في العالم وفي الدول العربية لاحقا ، وخاصة في مصر والشام الخليج والمغرب مثل “غادة السمان” في الشام و”ليلى العثمان” في الخليج ثم في بلاد المغرب من خلال أكثر من اسم ” يحضرني من ذلك ” أحلام مستغانمي” وفي مصر ظهر أكثر من صوت نسائي ، مثل “سمية رمضان” الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ ، و”هالة البدري” … وأسماء كثيرة منها ” روزا ياسين” السورية الحاصلة على جائزة وزارة الثقافة السورية (حينا مينه) 2004م وأخيرا الرواية السعودية… ، ولكن في تصوري أن كل تلك الروايات فيها من المخالفة للمألوف الأخلاقي أكثر مما فيها من القيم البديلة التي تحمل هما فكريا محترما .
أما في اليمن ، نجد روايات كثيرة ، ابتداء من أعمال محمد عبد الولي وتمرد الإنسان على الفقر والتسلط في ” يموتون غرباء” و”صنعاء مدينة مفتوحة ” على سبيل المثال ، ثم النموذج المدهش للتمرد الحقيقي على السلطة والقيم الاجتماعية في رواية ( الرهينة) لـ” زيد مطيع دماج” ووصولا إلى روايات “وجدي الأهدل” الحافلة بتقنيات التغريب ألزماني والمكاني وتغريب الأسماء والأحداث ، مما يعكس تثويرا وتنويرا ذهنيا هو بالضرورة دافعا للتمرد وروايات أخرى ، منها ما هو قيد النشر مثل رواية (طعم أسود رائحة سوداء) ل”على المقري ” والتي فيها من التمرد الحقيقي على الصعيد السياسي والأخلاقي والاجتماعي وتشكل نمطا مميزا في ملامسة قضايا المهمشين. ومثل رواية (اللص الأكتع) لـ”أشرف النولي” التي تقوم على التمرد على تسلط واستغلال أصحاب النفوذ خاصة من التجار… الخ
ومن خلال تجربتي الشخصية ، فقد كانت الرواية نافذة للمعرفة ودافعا للتطور والتوازن النفسي ، منذ منتصف السبعينات وإلى الآن تشكل الرواية لي زاد الحياة ، وقد تعلمت منها أن السلطة الحكيمة على مدار التاريخ هي تلك السلطة التي يزهر في ظلها الإبداع ، ولا يذكر التاريخ الحكام بالخير إلا في فترات الاتساق مع الإبداع ، ولا أدل على ذلك من عصر ” بركليس” في العصر الذهبي للإبداع اليوناني .
وفي وقعنا هذا يجب أن يتمرد المثقف والسياسي وصاحب القرار،على كل السلبيات التي تعيق سلامة وتطور الحياة ، في يمن المستقبل الذي لا مستقبل له بدون هذا التمرد على المصالح الشخصية الضيقة.
اترك رد