تشوه العلاقات الإنسانية في مجموعة “لا تعشقي هذا الرجل”للقاصة التونسية آمال مختار

Published by

on

عصام واصل
2007

الإهداء إلى الروائي الكبير الأديب واسيني الأعرج ومضة نور في الزمن المعتم

لعل ثيمة النقد اللاذع للوضع الاجتماعي المتناقض، عبر السخرية والتهكم، اللذين يحاولان تعرية العلاقات الاجتماعية الزائفة، القائمة فيه وطرحها أمام هذا المجتمع وجها لوجه، بعد تبشيعها، ومزجها بالعديد من الصور الغرائبية- هي من ابرز الثيمات المهيمنة أسلوبيا في هذه المجموعة القصصية، وكأني بالراوية/ الكاتبة، تقول للمجتمع هذه هي صورتك الأخرى فماذا أنت فاعل بها ؟
ولذلك نجدها تتجاوز مرحلة التعبير عن الشخصيات والأماكن إلى مرحلة التعبير بها، لترسم فيها وبها العديد من التناقضات الاجتماعية والقيم الأخلاقية المتصارعة بعد تحميلها شيئا من أرائها، وأفكارها الإنسانية/(الإصلاحية) فيجد القارئ أنها لا تفرق بين شخصيتي الرجل والمرأة عموما فالنقد موجه للجميع والصور الغرائبية تشمل الجنسين كما في نص ” امرأة الحقيبة”(2) أو نص “وفاء”(3) و”السرير”(4) و”السيدة الحزينة”(5) اوكنص “عطر والدي”(6) الذي تتكثف فيه هذه النزعة لتغدو أكثر تركيزا، إذ تتحول الشخصيات فيه إلى شخصيات أسطورية خرافية فتغدو حيوانات/ نصفيا(7) ويصبح المكان حضيرة لها ويمتلئ بأصناف القاذورات، ولأنه يمثل نقطة أولى يمكن من خلالها –استكناه مضامين النصوص الأخرى والولوج إلى مجاهيلها القصصية- فسنبدأ به.
إن الشخصية المحورية/الساردة في هذا النص تصوب عدستها إلى النسوة الذاهبات إلى الفرح بسخرية مرة لاذعة لتعري زيفهن وخواءهن الجوهري وتشوهاتهن النفسية التي تحاصرهن وتلازمهن كضلهن، فحينما كانت الساردة في حالة هدوء/عزلة عن العالم الخارجي منزوية وعاكفة في مكتبتها غير راغبة في الذهاب مع النسوة إلى الحفل، تتدخل أمها لتقطع حالة الثبات/الهدوء هذه وتدعوها للذهاب معها إلى هذا الحفل فتوافق وتذهب معها بملابسها العادية لمجرد التسلية فحينما تسألها أمها ” ألا تلبسين ما يناسب الحفل؟؟ ألا تتجملين”(8) ترد عليها بكل بسخرية مبطنة “لا داعي لذلك أنا ذاهبة لأتسلى”(9) ونجدها تسخر من ملابس المرأة المرافقة لامها التي بدت لها”بملابس السهرة وكأنها مهرج هارب من السيرك”(10)
إن هذه الصور المجسمة- إن جاز التعبير- ترسم للمتلقي قيم المجتمع الذي انخرطت فيه الساردة عن إكراه -( بعد طلب أمها)- لاكتشاف مجاهله والتسلي بمشاهدته فتكتشف وكأنها غريبة عنه وعن عاداته المزيفة.
وإذا كانت الساردة تسخر من الشخصيات والأشياء المتعلقة بها فان هذه السخرية لا تقف عند حدود هذه الشخصيات فحسب بل تمتد عبرها وتتجاوزها لتصل إلى مكان الفرح الموسوم بـ”فندق السعادة” الذي يحيل عبر تسميته على البذخ والحياة الفارهة غير انه مشوه في جوهره فممراته ملتوية وضيقة ومصعده غريب والصعود عبره مستحيل وأشجاره حية بثمار بلاستيكية …. الخ.
وهذا المكان على غرابته حينما تنفر منه الساردة تنجذب إليه بقية الشخصيات دون وعي بمتناقضاته ومفارقاته.
إن حدة المفارقات/المكانية هذه تزداد عمقا حينما تصل الساردة إلى سطح الفندق لتجده مليئا بالقاذورات وتجد المسبح يغص بالسائل القذر وتكتشف أن الحفل يقع في أعماق هذا المسبح أي تحت الماء القذر فتكون المفارقة قد شملت كل شيء.
ولعل هذه المفارقات تستدعي إلى ذاكرة المتلقي ما يدور خارج النص –اجتماعيا- من أحداث تبدو شبه خيالية جعلت الراوية –بوصفها كائنا حساسا يرى مالا يراه الآخرون- تقف عاجزة عن تصويرها تصويرا عاديا فلجأت إلى التعبير الغرائبي المشوه فجردت هذه الشخصيات من إنسانيتها واظفت عليها صفات حيوانية، فإذا بالعروس امرأة بوجه ضفدع، والى جوارها العريس وهو بوجه ذئب و”الجميع يحملون على أجسادهم الآدمية رؤوس حيوانات، فهذا ثعلب وتلك أفعى وهذا أرنب وتلك بومة …..”(11)
فهذا الحفل بعدئذ حفل غرائبي أسطوري جامع لهذه المتناقضات التي تجعل منه مجرد حفل تنكري لوجوه مقنعة فقدت إنسانيتها وأصبحت مدعاة للنفور والاشمئزاز.
ويتعمق هذا الشرخ والانفصام بين العلاقات الإنسانية ويأخذ بعدا آخر في نص “لا تعشقي هذا الرجل”(12)حيث نجد العلاقة تبدأ على متن القطار بعد أن يهدي الشاب للفتاة رواية لا تعشقي هذا الرجل” من ثم تنمو هذه العلاقة، وتذوي قبل أن تكتمل وتظل الفتاة في انتظار الشاب حتى تشيخ ويتجعد وجهها ولكنه لايعود.
وبالمثل يظهر الشرخ في جسد هذه العلاقة من خلال علاقة الفتاة بزملائها في العمل إذ أنها تقوم على الزيف والنفاق فيجاملها الجميع لجمالها فقط فيحيونها كما يحيون السيد المدير، وهو ما جعلها – أي الساردة- تفتتح هذا النص بجملة استباقية تختزل هذه المأساة المصيرية إذ تقول “رحل الجميع وانتهى كل شيء”(13)
وحتى في علاقات الارتباط الحميمية التي تبدو فيها الحياة قائمة على السعادة والاستقرار نجدها تبطن تهتكا وقطيعة اجتماعية ذات أبعاد مأساوية عميقة كما في نص “وفاء”(14) والتي تبدو العلاقة فيه قائمة على الحب والصدق والوفاء منذ بدايته حتى تلوح المفارقة التي تخلخل هذا الاستقرار في نهاية النص عندما تكتشف الساردة بعد وفاة زوجها انه كان على علاقات مع نساء أخريات وما تلك القصص التي كان يسوقها في كتاباته الإبداعية إلا الوجه الآخر لتلك العلاقات المشبوهة وهو الأمر الذي تكتشفه من خلال قصاصاته التي كتب عليها بعض تلك العلاقات التي كتب فيها إحدى قصصه مع فتاة تدعى منيرة وكتب داخل دائرة تعاد صياغة هذه الأحداث في قصة”(15) مما جعلها تنهار وتقول
” اكتشفت الآن أنني كنت أعيش فوق بالون مملوء بالهواء.. أنا التي كنت ….
كنت مسنودة إلى وهم.
أنا… أنا…”(16)
وهو ما جعلها تلحق بزوجها.
كما يتجلى هذا التهتك في جسد هذه العلاقات في نص “امرأة الحقيبة”(17) التي تبدو فيه الساردة وكأنها لا تعرف نفسها جيدا إذ تقوم علاقتها مع نفسها على الغموض والجهل المؤدي إلى عدم المعرفة. فنجد أنها تظل مسافرة متنقلة من بلد إلى آخر بمفردها بحثا عن الرزق والتجارة بحقيبتها المتميزة التي تبدو أنها حملت فيها شيئا لا تعرفه. ولا تعرف أنها تحمله معها.
ونمضي مع الأحداث لنجد التفكك الاجتماعي ونراها مطلقة وان زوجها قد تركها ليتزوج عشيقته، ونجد أنها هي الأخرى على علاقة مع الشاعر مالك العبدلي وهي لا تدري بهذه العلاقة في حين يعرفها الشاعر عز المعرفة.
وفي قصة “صاحبة الفستان الأحمر”(18) تمرض الساردة مرضا طويلا فيتركها خطيبها دون أن يكلف نفسه بإخبار أهلها عن فسخ الخطوبة، ويبدأ تذمر أمها منها إلى درجة كيل السباب والشتائم لها. وتقترب قصة “السرير”(19) في دلالاتها من نص وفاء إذ تقوم العلاقة على الحب بين الطرفين ثم تنتهي بالوجه الآخر حيث يغتصبها زوجها ويكون السرير الذي رافقها منذ مراهقتها هو الذي يخلصها منه حينما تحول إلى كائن أسطوري عجائبي وصنع ما صنع.
ولعل ما يدفع المتلقي إلى إعطاء الطابع الشمولي والتعميمي لهذه الشرخ والتشوه في هذه العلاقات ومنحها بعدا أوسع ما نجده في نص “السيدة الحزينة”(20) حيث تتسع الهوة و تنداح دوائرها منذ أول مقطع فيه حين تقول الساردة “يخافون النظر في عيني لغياب اللون عنهما “(21)
ولعل تغييب التسمية للشخصيات منذ العنوان وإحلال الصفات بدلا عنها منذ العنونة كالسيدة الحزينة وامرأة الحقيبة وصاحبة الفستان الأحمر…الخ- تعزيز لاتساع المدلول الرمزي للشخصيات ومحمولاتها الدلالية لتشمل عينات متعددة خارج النصوص فدال السيدة – مثلا- لا يحيل إلى سيدة بعينها من ثم إن الساردة مجهولة الاسم لا تظهر إلا عبر ضمير المتكلم وكذلك الذوات الأخرى لا تظهر إلا صفاتها فالمضيفة لا اسم لها سوى أنها أنيقة والمرأة القاعدة إلى جوار الساردة في الطائرة سيدة سمراء أما اسمها فتائه وحينما تأتي لحظات التعرف والكشف عن الأسماء يسود الصمت فلا تتحقق تقول الساردة
“ولم أقدم لها نفسي ولم تفعل وظل الصمت والغربة يصلان بين روحينا”(22) فالعلاقة بين هاتين السيدتين قائمة على الغربة وتأتي لحظات الافتراق بين السيدتين لتظهر لها من جديد وتكشف لها عن سبب حزنها وتقول انه الرجل غير أنها لم تكشف عن اسمه حينما تسألها السارة عنه.
وإذا كان ذلك كذلك فلعل هم الكاتبة الأول كان منصبا على السخرية من العلاقات المزيفة رغبة في هدمها وبناء علاقات أخرى أكثر مصداقية، واستبدال التشوهات التي تهد الجسد الاجتماعي كالتسطح والنفاق ووحشية الإنسان ضد أخيه الإنسان ذكر كان أم أنثى لذلك جاء تعبيرها غرائبيا موازيا للواقع الغرائبي يهدم السائد بحيوانيته المشوه ليبني واقعا إنسانيا مليئا بالحب بكل دفئه وجمالياته الحاملة للطهر والنقاء.

** **

(1) آمال مختار، لا تعشقي هذا الرجل، دار سحر للنشر، تونس، ط1، 2003م
(2) نفسه 57
(3) نفسه 49
(4) نفسه 75
(5) نفسه 7
(6) نفسه 19
(7) إن الساردة تعمد إلى تشويه منطقة الرأس فحسب من الشخصيات بينما بقية الجسد يبقى كما هو
(8) المصدر السابق 20
(9) نفسه والصفحة نفسها
(10) نفسه 21
(11) نفسه 25
(12) نفسه 37
(13) نفسه والصفحة نفسها
(14) نفسه 49
(15) نفسه 54
(16) نفسه 55
(17) نفسه 57
(18) نفسه 67
(19) نفسه 75
(20) نفسه 7
(21) نفسه والصفحة نفسها
(22) نفسه 8

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading