عراطِيطَ تعِز يُعرونَ المُؤسَساتَ الثقافية , ويَخرُجونّ باكراً إلى الشارع …!!

Published by

on

هشام السامعي 2007

ربّما يكون من مصائبّ الأقدار أن ترىَ نُخباً ثقافية تزاولُ نشاطاً في الشارع تكتسب مِنه قوتّ يومها وما يؤمنُ دخلاً يستّر ما دسته البلاد من جوعٍ في نطاقنا , يعاني الأديبُ كثيراً لكن العظماء يفضلون كتمان معاناتهم دائماً , بدرجةٍ أو بأخرى يمكن أن تتعايش مع هذا الوضع نسبياً , لكنك تصِل إلى حالةَ رفضٍ تجتاحك من أول حرفٍ كتبته حتى أخر قصيدة أو / قصة / , عندما تشعر أن الجمع لا يلتفُ إليك تُقرر حينها أن تصرخ في الناس لله لاتقتلوا رغبتنا في الحياة .
يكون ذلك مشهداً لابأس به لأنا معشر اليمانّيين نجاهر بأن هذا ما ألفينا عليه أجدادُنا من قبل , ولم يكُ لنا الحيلة لنصنع مجداً قرأنا عنه في كُتبنا المدرسية وعشنا على وهم استعادته عمراً طويلا .
جماعة العراطِيطَ كما سماهم من قبل أحد “الأدباء الكبار” في تعز , هم نتاج واقع ثقافي يحتكم بطريقةٍ أو بأخرى لجملة من الصراعات المذهبية السياسية التي ما إن تقترب من الثقافة حتى تتلوث كل رئات من يتنفسها , جُملة من مثقفي المدينة التي كانت ولازالت قادرة على إنجاب المزيد من سادة الأدب وتحمِل في كل يومٍ بأديبٍ جديد يرمم ماشوهت القبيلة من جمال هذه المدينة .
مايزيد على عشرينَ أديباً وشاعراً وقاصاً كان عليهم أن يحملوا لواء الثقافة في هذه المدينة حتى لاتذبل أخر وردةٍ زرعها عمالقةٍ جاءوا قبلنا ورووها بالدم , فكانت جماعة ” العراطِيط الأدبية ” هي التسمية التي أصطلح عليها لتعكس بعض ماوصلت إليه الثقافة في هذه المدينة , ولكي تكشف سوءات من جعلوا من مؤسساتنا الثقافية دياراً لايسكنها سوى الأشباح و لاتزين جدرانها سوى خيوط العناكب , كان لابد من جماعة العراطِيط , لكي لايكون قياصرة الأحزاب هم وحدهم من يصنعون ثقافتنا كان لابد أن نبتعد عنهم ونخرج إلى الشارع لكي نثبت لهم أن الهواء هنا أكثر نقاءً , لكي نكفر بعجزهم وخوفهم من الخروج إلى الشارع , لكي نريهم كيف أن البسطاء لازالوا بحاجة إلى الشعر والثقافة والأدب أكثر من حاجتهم لبيانات الشجب والتنديد , لكي لاتكون مؤسساتنا الثقافية ” الرسمية ” هي من تملك حق تكريمنا أو حجب دعمها كان لابد أن تكون هذه العراطِيط .
لله كم كان الموقف مُربكاً , مُتعباً , مُشوقاً , مُمتعاً , شيطانياً أقامته الملائكة , مشهد يُعيدُ إلى ذاكرتنا كل الشعراء الصعاليك , منذ امرؤ القيس مروراً بالشنفرى وتأبط شراً وصولاً إلى أبو نواس والفرزدق , لم نكن بحاجة إلى كراسي فارهة , ولا إلى ميكرفونات تُزين أكاذيب الزعيم , ولا إلى قاعات تمنع الفقراء حتى من النظر إليها , يكفينا بعضُ كراسي بسيطة جداً دعمتنا بهم ” جمعية مواجهة أضرار القات ” وطاولة مهترئة كانت كحال إتحادنا الأدبي , وقنينة ماء رخيصة جداً , الحماسة وحدها كانت تصّف الجميع في نقطة واحدة لتحثهم على المواصلة .
ابتدأت الأمُسية بكلماتٍ أنيقة تحشرجت بها حُنجرة الأديب فارع الشيباني جاءت بسيطة تحملُ طلقات اخترقت جسد قياداتنا الثقافية والحزبية , ابتدأ مهرجان الثقافة مع أول قامة صعدت المنصة ” عبدالواحد السامعي ” بعده توالت القراءات ومع كل قراءة كان جميعنا يهمس في نفسه المزيدُ من هذا المزيد .
قفوا صفاً أيها النبلاء و رددوا جميعاً أغنية مارسيل ” عندما يذهبُ الشهداء إلى النوم أصحوا , وأحرسهم من هواة الرثّاء , وأقول لهم : تصبحون على وطن “

* العراطيط : تعني باللهجة اليمنية ” العُراة ” أو العرايا .

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة