علي حسن الفواز
لا اظن ان ثمة تعريفا محددا لمهنة الصعلكة!! أو توصيفا مفهوميا اوسلوكيا لهذه الوظيفة في اطار ماهو ثقافي، اذ ان الصعلوك ليس وارثا معرفيا وليس جزءا من المخيال الشعبي القريب والمتداول مثلما هو ليس الكائن الاقرب الى ابطال التراجيديات القديمة وليس هو الكائن الموصوف بالعدمية والعزلة الكاملة ايضا !! قدر ماهو شخصية متمردة (بوعي) علي نسق اجتماعي واخلاقي ومعيشي ، وربما هو الاقرب الى شخصية (البهلول) في ادبنا الحكواتي منها الى اية شخصية اخرى ….، واحسب ان هذا يجعله (صاحب خطوة) في اجتراح نسق سلوكي استثنائي يمارس فيه خصائص طقوسه ولذاته وتوهجاته بعيدا عن الرقابة وشروط المهيمن الاجتماعي والاخلاقي والاعرافي !!! وربما حكمته وسطوته في الافصاح عن المسكوت عنه …
ولعل هذا ما اراد ان يقوله الصديق الشاعر نصيف الناصري في احدى مقالته(عن الصعلكة وتجارب المثقف) المنشورة في مواقع الانترنت !! اذ يبدو حديثه في سياق الدفاع عن نموذج اشكالي للصعلوك الوارث القديم لتجارب الاحتجاج والتمرد في تاريخ المكان العربي!! لان توصيف الصعلكة اسقط الكثيرين خارج اطار التعريف والتوصيف لنموذجها المثير دائما ، ووضعهم في خانة السلوك الهامشي وربما المضطرب !!!والفاقد لاي حضور جمالي وانساني ومعرفي، اذ يكون( الصعلوك) في التوصيف المتداول هو شخصية عدمية بالكامل ،تمارس حضورها من خلال سلوك اسقاطي هو الاقرب الى السلوك المرضي او ما قد يوصف بالسلوك الكحولي الذي قال عنه الناصري ،لان الكحولي المدمن هو شخصية ادمانية !! مرضية وتنتمي الى توصيف اصحاب العصاب المرضي الذين يلجأون الى عوامل مساعدة لاصطناع نموذجهم المضطرب فضلا عن حاجتهم الى عوامل اخرى لاصطناع توازن اجتماعي وسلوكي مع النسق المهيمن،ناهيك عن ان هذه العوامل قد تكون مثيرا في كشف عصابات عدوانية أو تعويضية اخرى داخل الشخصية الادمانية!!
ان الشخصية الصعلوكية شخصية قديمة في موروثنا الثقافي،وكان لهذا الشخصية حضور فاعل في ادبيات التمرد على نسق السلطة في القبيلة القديمة ،مثلما تملك هذه الشخصية اشكالا متعددة في مرجعيات ثقافة الاحتجاج على سايكولوجيا المهيمن في السلطة وفي المجتمع القديم،وكلنا يعرف شخصيات مثل عروة بن الورد الذي كان رمزا لنمط من المعيش الفنطازي ، فضلا عن شخصيات اخرى مثل السليك وتأبط شرا،وغيرهم ممن كان لهم صوت فاعل في الزمن الشعري. والذين جسدوا في قصائدهم الكثير من القلق الوجودي والنفسي ،وابراز الشخصية الهامشية كنموذج لشخصية الاحتجاج الاجتماعي ضد القهر والطرد مثلما حملت نزوعا للتعالي التعويضي في جوهر هذه الشخصية الفاقدة لشرعنة وجودها في المكان العصابي !!رغم ان الشخصية الصعلوكية قديما هي شخصية (غير سوية) في سياق الاعراف القديمة من حيث الاصل واللون والضع الاجتماعي،،وهذا قد لايتوافر في الشخصية الصعلوكية في زماننا،، فضلا عن ان الصعلكة القديمة كانت تعبيرا عن شكل من اشكال الطرد الاجتماعي والسياسي والثقافي ،بينما الصعلكة المعاصرة!! هي اختيار شخصي متعالي وربما هي اشبه بالتفكير والاحتجاج بصوت عال!! فضلا عن كونهاختيارا لشكل اجتماعي مقترن بتماهيات تعبيرية وسلوكية و لذوية معينة،يدخل فيها الاستعداد الاجتماعي والنمط الثقافي،رغم ان الشخصية الصعلوكية لم تزل تعاني من الطرد داخل المجتمع العربي/العراقي بحكم تعارضها مع سياقات المهيمن الاجتماعي والسلوكي والعصابي في الحاضنة الاجتماعية!!
ان تشوهات تعريف الصعلوك والكحولي والاحتجاجي وعدم وجود السياق الاجتماعي
يضعنا امام اشكالات اجتماعية يفرط البعض من اصدقائنا في اسقاط دلالاتها على الوسط الثقافي برمته، خاصة وان اغلب الشخصيات التي نعرفها هي شخصيات ادمانية كحولية وتعاني اصلا من احباطات اجتماعية وسياسية مع وجود استعدادات نفسية للنكوص في العوالم الايهامية/ التعويضية التي تتشكل ما بعد نوبة الاشباع الادماني!!
ان الشخصية الصعلوكية محدودة جدا في مجتمعاتنا بحكم نمط الحياة المحكوم بابوية قاسية ذات معايير اخلاقية صارمة ورافضة ، وربما كان لهذه الشخصية حضور حكواتي اكثر مما هو واقعي وقد حفلت حكايات الف ليلة وليلة وحكايات دليلة والزيبق وغيرها وبعضها ايضا وجد في حكايات الادب الفاطمي والذي استفادت منه الرواية المصرية كثيرا…وان اغلب الشخصيات التي نراها ونعايشها هي شخصيات ادمانية بشكل او بأخر وتعاني من تشوهات في البناء الشخصاني ،،لم تجد اية حاضنة في المجتمع الثقافي الابوي/ السياسي بعقائده الابوية وايديولوجياته المتعالية التي تؤمن بنظرية(العقل المحض) والعقل النقي !! القادر على انتاج فعل الوعي واستهلاكه مثلما هو قادر على انتاج فعل (الثورة) وتداولها،،اذ ان الصعلوك المتمرد سيكون في هذا القياس هو(اليساري الطفيلي) او (المتطير) او صاحب رؤى تخل بقاعدة الجمع،،وكثيرا ما تعرض اصحاب هذه الاراء والافكار الى عملية طرد منهجي وعزل اجتماعي وسياسي وربما ادى الى اغتيالهم!!!
انا لااريد ان اجعل الحاضنة الثقافية بيتا للعقل وسوقا لتداول بضائع العقل !!وانفي صفة التمرد والنفور والاحساس بالاجدوى والغثيان واللانتماء وكل هذه مشاعر واعية ومتعالية ،، ولكن بودي ان ندرك ان الشخصيات الادمانية المريضة سرعان ما تفقد اتصالها الحيوي والعضوي مع المحيط وتشتغل على آليات مكررة او انها تستهلك او تعيد انتاج مخزون الذاكرة ،،،، وازاء فان وسائل الاعلام الثقافي كثيرا ما تسوّق طروحاتها على اساس التوصيف المقصور للشخصية الادمانية ،ولعلي وهذه حقيقية !!ان اغلب صناع المراثي للشخصيات الادمانية هم اكثر الطاردين لها !بعد اصطدامهم بها ،لان هذه الشخصيات ستكون مطلبية وتعويضية !!وحادة الطباع
وربما تكون حاملة لمزاج عدواني.
اترك رد