الكتاب والسلطة .. ثمة من يصنع الازمات دائما؟؟

Published by

on

علي حسن الفواز

لايمكن ان نغفل سعي بعض المؤسسات التي تمارس الصناعة الثقافية العربية من محاولة التعاطي مع اشكالات الثقافة عبر مجالات لايمكن التشكيك في مصداقيتها و التي تضع الواقع الثقافي في اطار المساءلة ..ومن ابرز هذه المجالات ما يتعلق باليات صناعة العلاقات الثقافية المحلية و العربية ووضعها في سياق يمكنه ان يمارس دورا له الفاعلية الناجعة في السعي الي تنشيط هذه العلاقات ومدّها بعناصر القوة والموضوعية والروح الباسلة التي تكفل حركة السياق خارج مهيمنات السلطة والتابو وكل عوامل التجهيل القصدية . ولاشك ان معارض الكتاب واسواقه الثقافية تمثل اكثر ملامح هذا السعي باتجاه وضع الكتاب العربي والاجنبي واليات اختياره وتسويقه ودخوله في اجندة الثقافي والوطني امام معطيات جديدة ليس لاغراض التعريف والاستعراض والاشارة الى النزعة الثقافوية عند السلطة فقط، وانما للكشف عن فضاءات جديدة في الزمن الثقافي ازاء تغايراته وتحولاته وانزياحاته
وتعدد مستويات ومعطيات قراءته،،،، فضلا عن فتح مجالات جديدة للتنوع الثقافي وتبادل المنافع الثقافية وادراك اسباب التطورات التقنية والمعرفية في مجال انتاج الكتاب وتسويقه،رغم ما يحيط هذه الفعاليات من لغط حول اسئلة الرقابة والمنع ومرجعية تسويق بعض الافكار في اطار موافقة هذه الجهة او تلك ، وبالتالي فان الكثير من الكتب المهمة والجديدة ستمنع من العرض والقراءة وربما سيكون مؤلفوها امام طاولة التكفير او التجديف او الفصل العائلي !!! او ربما سيتم الترويج لهذه الكتب للاشارة الى استقلالية الثقافي ، وان السلطة بيضاء الجناح وان مجسها الرقابي لايدخل تحت جلد الورق والوراق للبحث عن رائحة مضادة !!
ان العالم يتجه ثقافيا نحو تغيير كل جهازه المفهومي ، اذ أدرك القيّمون على ثقافة السياسة او سياسة الثقافة ان التطعيم الثقافي من اكثر الوسائل الوقائية لمنع حدوث الامراض الحضارية اولا !! والامراض التنوية ثانيا ويمكن انعدّه ايضا وسيلة فاضلة من وسائل انقاذ للمواطن والامة من مصائب التخلف والجهل ورداءة النوع الفكري ،، اذ انّ الامراض الحضارية والتنموية والثقافية والاجتماعية والتعليمية والنكوصية ستقل معدلاتها!! كلما ازدادت جرعة المصل الثقافي في الوجدان المجتمعي ،، لان ماتعانيه (الامة) الان من انهيار مشروعها الحداثوي والنهضوي والقوموي !! هو بفعل الجهل والتخلف اكثر من كونه تحصيلا لاجندة المستعمرين والاحتلاليين !!! وان شيوع الثقافات العصابية والاستلابية والتكفيرية لايمكن ان (تستمني ) الاّ في الوسط الاشكالي بجهالته وتخلفه ، فضلا عن كونها تنتج دائما وعيا معقدا لايمكن تصريف طروحاته وتسويقها في المعيش والرفاهي…
ومع تسارع تنظيم بعض الفعاليات الثقافية ومنها معارض الكتاب التي تعقد هذه الايام في فرانكفورت وبمشاركة عربية باهية !!!! وكذلك تنظيم المعارضالكتابية في جدة والامارات وقطر وسوريا ، فضلا عن المؤتمرات التي تواصلت في الانعقاد في بيروت في العام الماضي وانعقاد معرض القاهرة للكتاب ومعرض الدار االبيضاء !!!!، فاننا سنجد انفسنا اما م اسئلة مفرطة في قلقها خاصة ما يتعلق منها بازمة المثقف العربي وازمة حرية الكتاب العربي وتداول الافكار الجديدة ازاء الكثير من الاحزان الطويلة والاغتراب الطاعن لهذا المثقف امام ازمات الهوية والمعنى والحرية و السلطةوالجسد والايديولوجيا والتنمية وغيرها . وهل يمكن لمؤسسات صناعة هذه الازمات ان تملك استحقاقات تدخل في جدوى السؤال الوجودي الذي نواجهه ونحن عند اعتاب حرائق السياسة وحروب الاحتلال والارهاب والتخلف والعولمة الزاحفة الينا بقسوة بكل ما تعكسه من تداعيات خطيرة على الانسان العربي .
ان ما أثارني وانا اقرأ تصريح وزيرالثقافة المغربي محمد الاشعري في احد المؤتمرات الصحفية حول الاستعدادات لمعرض الدار البيضاء للكتاب في العام الماضي !!،،،،،
بأن الدورة المرتقبة لمعرض الكتاب ستشهد تنظيم (39 )) ندوة يشارك فيها مثقفون كبار يتناولون جوانب التغييرات التنموية مجال الثقافة والسياسة والفكر والفن والتعليم والنربية ، هو اساس ما تواجهه الثقافة من مشاكل حقيقية ازاء هموم التحديث والتنمية والتعليم وقسوة الروح النقدية فيها مقابل اشكالات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .. ان هذا التصريح وبقطع النظر عن النوايا واحلام المثقفين التي ربما ستتماهى معه ،،لايسلط الضوء على اصل المشكلة التي انتجت هذا الخراب ونقلت الامة من رومانسيتها الى زمن اشكالي ملىء باكتشاف العلل في قراءة التاريخ وفي النظر الى الحاضر وفي التأسيس الى المستقبل ، اذ ان اغلب الكبار الذين سيمارسون حضورهم هم جزء من انتاج الازمة ، وجزء من ثقافة الرومانس والواقعية التي تقلبّت على ايقاعها السلطة العربية ،،،خاصة ونحن نعرف من هم الكبار الذين سيحضرون او الذين سترسلهم حكوماتهم لتأكيد نظرية ( الاطمئنان القومي) وعدم اثارة اللغط حول صناعة الازمة الحكومية ،وان الثقافة الامبريالية!! لايمكن ان تنتصر علينا وتروّج لمشاريعها في الاصلاح والدمقرطة مادام هؤلاء الكبار بين ظهرانينا يفكرون بطريقة انقاذية ووقائية راقية ودقيقة !!!..
ان الثقافة العربية وكما هو العادة في مواسم كتابها تمارس الدور القديم في عرض (ثقافات الكبار ) و (كتب الكبار ) بعيدا عن تلمس أي حقائق اخرى بدأت تتشكل على الارض الثقافية وهي حقائق المتغير والمضاد وثقافات الاجيال التي اكتوت بحرائق الازمات والحروب وما تركه الاباء لهم من حصرم !!و التي تشكّل وعيها في ميدان الاحتلالات الداخلية والخارجية وازمات البحث عن الحرية والهوية تحت مؤثرات وضواغط الآخر الذي بات قاب قوسين او أدنى من كنوزنا الوطنية ،ان لم يكن قد عرف اسرار خرائطها !! وهو ما حدث في معرض القاهرة للكتاب في العام الماضي حيث تحولت بعض اروقته الى ميدان للاحتجاجات والاضرابات المطالبة بالتغيير والاصلاح السياسي ، والذي وضع السلطات المصرية امام معطيات لايمكن تجاوزها ، وربما جاءت انعكاساتها من خلال التغيير الشمولي لكل المسؤولين القدامى المشرفين على الصحف القومية المصرية،، الذين كما يقول البعض انهم جزء من خطاب الاعلام (القومرومانسي) الذي طبخ الكثير من السياسات الاعلامية والثقافية للسلطة طوال سنوات ازماتها وحروبها الفاشلة وحتى اكاذيبها …. واحسب ان هذه التداعيا ت التي بدأت تنعكس على الخطاب الثقافي العربي وتسهم في تنمية روح الاحتجاج والنفور ازاء فراغ ثقافي واعلامي مازال يقف متفرجا على اسواق تفريخ مصطلحات ومفاهيم تروّج لثقافة العنف والارهاب !! التي تكفّر وتطرد من تشاء من الملةّ دون اجتهاد في حق أووعي في نص!!! وربما تمارس نزعتها البراغماتية في السياسة والادارة حتى في اشدّ لحظات الازمة !!!
فمن يقف ازاء هذه الغلواء ومن يصنع الثقافة التي تغسل الرؤوس جيدا؟ ومن يؤسس لفاعلية حقيقية في السياسي والثقافي لكي ينقذ الاجيال الجديدة من هذه السوداوية المقيته !! وكل اثار التصنيع الاعلامي وثقافات العنف والنكوص الى الذات النرجسية الذي اجتاح زمننا الثقافي بفضل زمرة من الكتبة وقراء الكف !!
ان ما اصاب برامج التنمية والتقدم والتعليم والحضارة من نوبات في العطالة يعود الى اتساع ظاهرة التجهيل وحرف الكلم عن غير موضعه كما يقول العارفون….فضلا عن التعمد الى انتاج انماط كتابية لها صلة بثقافات غائية في مرجعياتها الفكرية والعقائدية ، خاصة وان ثمة ارضيات تمنح هذه الثقافات اشباعا ومجالا لتحريكها وادامتها مثل رد اءة النظام السلطوي ، وسوء ادارة الدولة وادارة الموارد وخطط التنمية المشوهة في مجالاتها التعليمية والاقتصادية والثقافية ، فضلا عن الكثير من الاشكالات الخاصة بغياب الحريات المدنية وتأجيج الصراعات الاثنية والعرقية مع وجود نسب عالية من الامية في البلاد العربية والتي بلغت ارقاما كبيرة وخاصة في مصر !! اذ ستكون الامية القرائية هنا هي الحاضن الامين لشيوع ثقافات التخلف والارهاب والانحياز للثقافات الواحدية بكل مرجعياتها العنصرية والطائفية والدينية والقومية ،، لذا فان ثقافتنا امام مفترق طرق وامام عالم يرحل بسرعة في قطاراته السريعة باتجاه المستقبل الذي نحياج الى قراءة طلاسمه واسراره ، واظن ان هذه القراءة تحتاج الى جرعات عالية من الحرية ومديات واسعة من الاسئلة الساخنة !!!

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة