محمد عبدالوهاب الشيباني شاعر مفرط في بهجته

Published by

on

عبدالعزيز المقالح

محمد عبدالوهاب الشيباني شاعر متميز الصوت فريد الاسلوب بين دائرة تتسع يوماً بعد آخر من الشعراء اليمنيين الشبان. وهو يمتلك مقدرة عالية في إلتقاط الشعري الحالم من المفردات اليومية المألوفة.

وابتداء من العنوان حتى آخر نص في مجموعته الشعرية الجديدة (أوسع من شارع وأضيق من جينز) يفاجئك الشيباني بما لم تكن تتوقعه ويجعلك تقتنع أنه شاعر مختلف تماماً ومأخوذ بالجديد والأجد في كتابة النص الشعري. واذا كان أفراد من جيله يوغلون في استخدام المخيلة الأمر الذي يجعلهم يبدون للقارئ وكأنهم يعيشون في الفضاء فان مخيلته على رغم براعتها في التحليق لا تذهب به بعيداً عن الأرض وناسها وأشيائها. وبعبارة اخرى الشيباني شاعر لا ينطلق من الفراغ ولا تصدر نصوصه عن المخيلة وحدها وإنما تنطلق كذلك من الواقع بكل متضاداته وتواشجاته، الحميم منها والدميم. وهو ينفتح على الحياة بما عليها من انخطافات مذهلة وتداخلات حميمة وانحناءات تشكل خطوط الواقع وظلاله اليومية المرئي منها والخفي الخافت والضاج.

تتوزع نصوص المجموعة على ثلاثة محاور هي (نساء، ورجال، واشياء اخرى) ولكل محور منها عنوانه الخاص واللاصق بأبعاد التجربة، عنوان المحور الأول (رغبة مرسومة بحذر) وعنوان المحور الثاني (الدم يقطر الكحول)، أما عنوان المحور الثالث فهو (تصور بهجة مفرطة). ولا تفوتني قبل أن تبعد عين القارئ عن العنوان الاخير الاشارة الى ان الشاعر محمد عبدالوهاب الشيباني كتب ويكتب نصوصه الابداعية في ظل هذا المعنى الجميل وهو البهجة المفرطة (بكسر الراء) ولأنه شاعر مفرِط في بهجته بالشعر، فهو كذلك مفرِط في سماحته وفي حبه للناس والمكان، للزملاء والاصدقاء، والاعداء ايضاً، وقلبه أبيض كغيوم الشتاء الناعمة والنائمة على الجبال القريبة من صنعاء.

النص الأول في المجموعة بعنوان (ماذا قالت نورهان الحضرمية عن زوجها المجنون)، ومرة ثانية لا تفوتني الاشارة الى ان الشاعر يختار لنصوصه أطول العناوين ويندر أن تجد عنواناً من كلمتين أو ثلاث كلمات:

سئلت نورهان الحضرمية عن زوجها/ قالت: قبل العشرين باع الحبال التي ربط/ الحالمون بها أطيافهم، ودندناتهم، ثم حمل/ الطين المحروق الذي شاد منه وجهاء المدينة قصوراً برواشين كثيرة للزوجات/ والمحظيات. وفي العشرين غسلت النسوة أجسادهن/ بالمرايا المائية التي طيرتها الألسن من/ شعره في الناس./ وبعدها بقليل تلبسته (الحليلة) وخالطت/ دمه القليل. فهام في الوديان». (ص9).

تساءل أحد الشعراء المخضرمين عندما قرأ هذا النص البديع جداً – من وجهة نظري -: لا أحد يعرف بالضبط ما الذي يريده هذا النفر من الشعراء الشبان، ولا بمن أين ينطلقون الى كتابة نصوصهم الشعرية النافرة؟ حاولت أن اهدئ من غضب هذا الشاعر المخضرم وأقول له: إنهم – أي هذا النفر من الشعراء – لا يريدون شيئاً غير الشعر. الشعر غير المكتوب من قبل وغير المحفوظ في الذاكرة والمسكوكات، الشعر الذي يستفز القارئ ويقتحم عليه غفلته. والنص الشعري عند هؤلاء الشبان أبعد من مجرد صوت غنائي يثير الخدر في أعصاب قارئه ثم لا يمنحه شيئاً من الشعر كما ينبغي أن يكون.

في النص السابق رسم الشاعر – على لسان امرأة – لوحة حقيقية، لكنها غريبة الشأن لفنان من لحم ودم، فنان عانى كثيراً وتعذب الى أن وجد ضالته، قصيدته، لوحته وربما حبيبته، وما كاد يجدها حتى هام في البراري والوديان لأنه فنان من لحم ودم لا يفتأ يبحث عن المثال البعيد، عن النموذج الغائب، لعله يقترب منه، يلامسه يجاذبه الحديث، وتتجلى الصورة المرسومة لهذا الفنان الشارد وفي فضاء شعري مشحون بالصراحة والخشونة يرسم الشاعر لوحة ثانية على لسان امرأة افريقية لفنان أو لشاعر يهيم باللون الاسمر:

«سميتني «الشيوكلاته»/ وتعرف ان تذوقك لي سيعري فينا جنيّات/ الرغبة/ ولن يكفينا حينها ورق الشجر لنستر/ صباحاتنا الفضاحة/ سميتني «الشيوكلاته»/ ولم أزل قادرة على عدم تسييلها/ في شقوق نهدتك الطويلة/ لكني خائفة/ من ريشتك التي تقترب يومياً من الوتر/ الافريقي النائم بداخلي» (ص11).

في مجموعته الأولى «تكييف الخطاء»، منشورات اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين 2001، وهي من أهم المجاميع الشعرية المنتمية الى تيار الحداثة، كان محمد الشيباني حفياً برسم الوجوه والمدن، وكانت لغته بريئة من الخشونة تحظى بقدر كبير من عفوية المخيلة وادائها العالي. أما في هذه المجموعة فهو يتجنب الاخفاء والمواربة، ولا يتردد عن استخدام الالفاظ القاسية والتعابير الخشنة: «الممرضة المبتدئة/ تركت رضيعها على سرير المعاينة/ تدفئ مؤخرته العارية شمس/ تدخل الغرفة من نافدة خشبية/ مفتوحة على صباح قليل/ الممرضة/ تركت «ملاكاً صغيراً»/ يغمر الغرفة الكئيبة بالضحكات/ وينسي المنتظرين/ غيابها الطويل». (ص30).

سبقت الاشارة الى ان الشيباني يعيش بنصوصه الشعرية على الارض، وفي تلك الاشارة تأكيد على العلاقة الحميمة بين الشعر والواقع، بين الصورة والمعنى، وفي هذه المجموعة بخاصة تبدو النصوص منتزعة من جزئيات الحياة وواقعها المباشر، مهارته الفنية تشهد له أنه يمتلك طاقة ابداعية قادرة على تنظيم الاشياء وتنضيدها – إن أراد – في صور متناغمة تعطي فوضى الاشياء انسجاماً بل موقفاً لم يكن لها من قبل. أما اذا لم يرد فهو يقدم الناس والاشياء والاماكن في حالة شديدة الفوضى والارتباك. وفي نص بعنوان (موظفون في دور سادس لا يكفون الحديث عن زوجاتهم المريضات) وهو عنوان لا يختزل النص فحسب، بل يلملم صوره القاتمة ايضاً: «يجاورون الخزانة/ لكنهم الاكثر افلاساً وديناً/ يجاورون «الامرأة» الجميلة في/ الوظيفة لكنهم لا يكفون الحديث/ عن زوجاتهم المريضات/ وتبدل أسعار الاستشارات الطبية/ في العيادات الخاصة». (ص57).

أي قدرة فائقة لدى هذا الشاعر على رصد مرارة الواقع في صورة انسانية كاريكاتورية تؤلف بين المتناقضات المغلفة بشتى الاحاسيس؟ وفي (شجرة الكريسمس وشجرة العائلة) وهو النص الاخير في المجموعة يقدم الشاعر صورة معاكسة تماماً للصورة السابقة حيث تطغى الخشونة ويتصادم الميلاد مع الموت، وتتفاوت المقدمات ولا تختلف النتائج: «شجرة الكريسمس المفخخة بالنيون/ لا تشبه شجرة العائلة المفخخة بالموتى…».
2006

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading