عشرون عاما من الحلم الأزرق والخيبات: شهادة عن رحلتي الشعرية

Published by

on

فتحي أبو النصر

عندما أفكر في المسار الذي قطعته على مدى عشرين عاما، يتضح لي أنني لم أذهب سوى نحو الشعر. هذه الرحلة بدأت بمجموعتي الأولى “نسيانات.. أقل قسوة” الصادرة عن مطبوعات الأمانة العامة لاتحاد الادباء والكتاب اليمنيين في 2004، ولم تتوقف عند “موسيقى طعنتني من الخلف” طبعة خاصة وكالة سبأ في 2008، ثم “أعناق طويلة لظني ورحيق دخان” عن دار مسعى في البحرين عام 2013. والآن، ها أنا أستعد لإطلاق “الديوان العدني” بعد شهر عن دار مواعيد اليمنية في صنعاء. ولكن إلى أين أمضي؟

أمضي نحو إعادة اكتشاف الذات عبر الشعر، نحو البحث عن جواب لسؤال لم يزل يتكرر: ماذا تعني الحياة للشاعر؟ الشعر ليس وجهة بقدر ما هو وسيلة لفهم الذات والعالم من حولي، وإن كنت أمضي نحو أي مكان، فهو نحو مزيد من الأسئلة ومزيد من الصدق مع النفس.

إن الشاعر يُحاصر بالمشاعر، يتقلب بين الحزن والفرح بسرعة لا يفهمها غيره. آخر مرة بكيت فيها؟ كانت على فقدان صديق عزيز، شعرت بالوحدة، وتساءلت عن معنى الفقدان الذي تكرر في قصائدي. أما الضحك، فلا أستطيع أن أتذكر متى ضحكت بشكل صادق. ربما لأن الضحك في حياتي يتسلل دائما بخفة، وكأنه زيارة عابرة، بينما الحزن يقيم طويلا.

على أنني أعوّل على الشعر لأنه الخلاص. الخلاص من صخب العالم ومن أسئلتي اللامتناهية. الشعر هو الطريقة الوحيدة للتعبير عن الخيبات بطريقة تجعلها أقل حدة، هو الخيط الرفيع الذي يربطني بالحياة وبالإنسانية. بغير الشعر، أشعر أنني سأفقد القدرة على التوازن في هذا العالم المضطرب.

نعم، الشعر خذلني مرات عديدة. كلما ظننت أنني اقتربت من الإجابة على سؤال يطاردني، أجده يتلاشى في ضباب آخر. الشعر يعد ولا يفي، لكنه رغم ذلك لا يكذب، إنه يعطينا الصورة كما هي، مجردة من المجاملات أو التوقعات. وهذا الصدق المؤلم هو ما يجعل الشعر خذلانا مستمرا، لكنه في ذات الوقت أصدق ما يمكن أن يحدث لي.

لطالما رددت أننا سننجو، لكن كيف لنا أن ننجو من الشعر نفسه؟ لا ننجو منه، ولا ينبغي لنا أن نحاول. الشعر ليس مجرد كلمات على الورق، إنه حياة بأكملها. محاولتي النجاة من الشعر هي بمثابة محاولتي النجاة من نفسي، وهو أمر مستحيل. الشعر هو الظل الذي استمر يرافقني طوال حياتي، ولا يمكن لي التخلص منه دون أن أفقد شيئا من ذاتي في الطريق.

عندما قال ريلكه إن “كل جميل مرعب”، كان يشير إلى التناقض الكامن في الجمال. قصائدي جميلة لكنها ترعبك لأنها تتناول أعمق مشاعرنا وأكثرها تعقيدا. الجمال في الشعر ليس فقط في الكلمات، بل في الجرأة على مواجهة ما نخافه ونكرهه في ذواتنا. الجمال يرعب لأنه يجبرنا على النظر في مرآة الحقيقة، وكثيرا ما تكون الحقيقة أقسى مما نحتمل.

والحال ان قصائدي مليئة بالفقدانات لأنني أكتب من قلب الحياة الواقعية، والحياة مليئة بالخيبات. ولكن ربما تحبون قصائدي لأنها تُجسد هذه المشاعر بطريقة تجعلكم تدركون انكم لستم وحدكم في هذا العالم. الفقدان والخسارة جزء من التجربة الإنسانية، والشعر يمنحنا القدرة على فهم هذه التجربة بشكل أفضل.

على أنني أرى أن الله لا يرحم الشعراء لأنه اختارهم ليكونوا الناقلين لأعمق مشاعر البشر وأكثرهم حساسية. الشاعر مُبتلى بحساسيته الفائقة تجاه الألم والجمال على حد سواء. بينما يعيش الناس حياتهم بعفوية، يعاني الشاعر من وعيه المستمر بكل ما حوله، كأنه يتلقى العالم بدون فلتر.

واكاشفكم أن أقرب مجموعة شعرية إلى قلبي هي “موسيقى طعنتني من الخلف “، ليس فقط لأنها الأعنف، بل لأنها تمثل مرحلة نضوج، مرحلة مصالحة مع ذاتي ومع المهبات التجريبية التي أحب. إنها قصائدي التي كتبتها بروح نقية، بكل ما تحمله من تعقيدات وألم وجمال.

ولا تستغربوا، نعم، أنا مغرور ..غرور الشاعر الجيد ضرورة لا بد منها. الشاعر بحاجة إلى ثقة بنفسه وبكلماته لكي يقدم على كتابة قصيدة جديدة، ولكي يواجه النقد والعالم بأسره. لكن هذا الغرور يجب أن يبقى في حدود معقولة، بحيث لا يتحول إلى تعالٍ أو ترفع واستحقار لتجارب الآخرين.

والشاهد ان للسلطة مخالب كما الشلل الثقافية لديها أنياب، لكنني لم أتلوث بهما، رغم علمي بخطرهما. لم أكن يوما جزءا من تلك اللعبة، ولا أرغب في أن أكون. أخشاهم؟ بالطبع، لكنني أعلم أن الشعر حصني. الشعر يحميني من السقوط في فخ السلطة أو الانضمام إلى الشلل الثقافية، وأفضل خسارة بعض الفعاليات على أن أبيع روحي لهذه القوى.

أما سر صنعتي الشعرية، فإن كان هناك سر، فهو البساطة المتعمقة. أنا أكتب من القلب، وأكتب عن التجربة الإنسانية كما هي. لا أسعى للتصنع أو التعقيد. الشعر الحقيقي هو الشعر الذي يعبر عن ما هو بسيط في جوهره لكنه معقد في تأثيره. إنه ذلك النوع من الشعر الذي يستمر في الوجود لأنه يتحدث عن شيء لا يتغير بمرور الزمن: الإنسان ومشاعره.

أما فيروز فهي الصوت الذي يرافقني في الكتابة، هي الخلفية الموسيقية لكل قصائدي. لو تخيلت أنها توصيني بالشعر، لكانت توصي بأن أبقى مخلصا للنقاء الذي تحمله أغانيها. وأنا أوصيها بألا تتوقف عن الغناء، لأن العالم بحاجة إلى صوتها كما يحتاج إلى الشعر. بدون فيروز، سيكون العالم أقل جمالا، وبدون الشعر، سيكون أقل إنسانية.

أنا طبعا لم أساوم، ولم أهادن، ودفعت الثمن. نعم، خسرت الكثير من الفعاليات التي كنت أستحق أن أكون جزءا منها، لكنني لست نادما. المهم أنني بقيت مخلصا لنفسي ولم أتنازل. أما النقاد الذين يدورون في فلك الحسد، فلست معنيا بهم. هؤلاء لا يمكنهم أن يوقفوا عجلة الشعر الحقيقي، حتى لو حاولوا جعلها مربعة.

هناك شعراء عرب معاصرون يقاومون الرداءة مثلي، ومنهم من يغامر ويعاني. يعجبني شعراء مثل عبد العظيم فنجان وقاسم حداد وياسر الزيات وأحمد السلامي وعبد الله الهامل ومنى كريم هؤلاء الشعراء لم يتنازلوا عن الشعر الحقيقي، ولم يسقطوا في فخ السوق أو المجاملات الثقافية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من عناوين ثقافية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading