الــجـبل

محمد حسين هيثم

… ولهُ الفضاءُ، له المعابر نرتقيها، نحو‏

ربٍّ جامحٍ، وله أسرةُ والنذور.‏

لا يتقيه الطيرْ‏

لا تتقيه الكائناتُ المستفيقةُ من رماد‏

الصيف، يمحضهُ الرعاة صلاتهمْ، تلك الفتاة‏

هبوبها العطري، أو تمشي إليه غزالة الرؤيا،‏

وتبتهلُ النسورْ.‏

لجنونه، ما للرياح من اجتياحات، وما للبحر من غمرات، ما للوقت من هجسٍ على الشرفاتِ، ما للشجر النعسانِ من تعب الجذورْ.‏

ينشقُّ ساعده، فنسكن في خرائطه الملونةِ‏

القديمة، نبتني مدن اللآلئ، ثم نقترح‏

السواحل لاحتكامات القبائل، ثم نجلس عند‏

مفترق الهديرْ.‏

ونلملمُ الفيروز لامرأة ستأتي من خطوط‏

ضلوعه، امرأةٍ تعوذ به، إلى سقف ومغسلة،‏

إلى تفاحة ورثت هديل النار، أورثت الخطا‏

مجد النشور.‏

***‏

هو المستوحش العالي‏

يطلُّ على الحدود المستريبةِ، كم يظل الليل‏

ليلاً من خراب، كم يظلُّ العشب منتبذاً يتيماً.‏

***‏

قل: ليتَ أغنيتي تنام‏

وليتني أغفو على غصن الظلام‏

وليت أن النهرَ‏

لا يجلس في المقهى.. كعادته‏

يعاتب طفلة الرعدِ – الرؤى‏

وليت أن القمرَ المجنونَ‏

يمضي في فجاءتهِ‏

أليفاً.. مستقيماً‏

***‏

قد دارت الراياتُ دورتها،‏

وهذا الشاخصُ العاري، يردُّ غوائل‏

الأصحاب عن دمه، وينهض في نواصي البحر،‏

هل نستظهر الطعناتِ.. ثانية، وهل؟‏

***‏

هو المستوحدُ الواحدْ‏

هو العاتي‏

هو الصاعدْ‏

إِلهٌ في فداحتهِ‏

إِلهٌ في انهمارِ يديه‏

إِلهٌ في المسراتِ الأليمة‏

إِلهٌ موغلٌ في راحةِ العصفور‏

إِلهٌ مدَّ لي كفا‏

وجالسني على حجرٍ قديمٍ‏

عندَ مفترقٍ يخونْ‏

وخالسني الرؤى‏

وقاسمني المحبةَ والجنونْ‏

إِلهٌ في الهديل‏

إِلهٌ في العويل‏

إِلهٌ في العراء‏

إِلهٌ في الغموضِ المر‏

إِلهٌ في مناطحةِ الأيائل‏

إِلهٌ في مقارعة الصديق‏

إِلهٌ في منادمة العدو‏

إِلهٌ لا يفيق‏

إلا على سيفٍ يؤرجحه‏

فيصعد في محفتهِ المريره‏

إِلهٌ يستحثُّ لنأمةِ القيثار دمعته الأثيرة‏

إِلهٌ مرَّ‏

فاستقدمتُ أضرحتي‏

إِلهٌ قالَ‏

فانتشرتْ قصيدتي الأخيرة‏

***‏

من أيِّ منعطفٍ ستقبلُ‏

من مهبِّ الروحِ أمْ‏

من زهرةِ التفاحِ أمْ‏

من أول القتلى؟‏

يا أيها المستوحد العالي.‏

يتفتح الزلزالُ في عرواتنا‏

يستوحش الدفلى‏

***‏

أيهذا الذي…‏

كنت لي هدنة الطفلِ‏

إِذْ يرتدي كوكباً مأتمياً‏

ترامى هنا‏

ذاهلاً في انتحار الفراشات‏

***‏

أيهذا الذي يتعالى‏

تخبئ وقتك عني‏

إذن‏

كيف داريتني في تضاعيفِ أغنيةٍ من عسلْ؟‏

كيف أرسلت نهراً إلى حرقتي؟‏

أيهذا الذي يتعالى‏

تمرُّ عليك الزلازلْ‏

كنت تؤرجحني في القصائد حيناً‏

وحيناً أعدُّ لخطوك قلبي‏

فألقاك بين فضائين محتفلاً بالجنون‏

***‏

أيهذا الذي….‏

قلت إِن النوارس ما ضيعتْ بحرها‏

وانتظرت النبي الذي خانَ‏

هيأته.. للهديل الإلهي‏

شققت له الروح نصفينِ‏

أضنيتني بالغناءِ على ساحلٍ مثخنٍ‏

ثمَّ وزعت موجاً على عاشقين:‏

موجةً من نعاس‏

موجةً للصبيةِ تأخذها غرفٌ تستريب‏

موجةً من حروب‏

موجةً من حرابٍ لصمتي الأخير‏

موجةً تستجير‏

موجةً عنباً للثعالبِ أو‏

موجةً عنباً للثعالبِ أو‏

موجةً حجراً للصداقاتِ أو‏

موجةً تجرف القبلة العاليه‏

موجةً من أيائل تنطح هذا الهواء‏

موجةً للبنادق نابحةً في فضاء الحمام‏

موجةً من ترابِ الكلام‏

موجةً من حكايا‏

موجة…‏

وانتخبتَ حذاءً‏

يضيق على وطنٍ ناحل‏

ثم بدلتني بالمرايا‏

أيهذا الذي يتعالى‏

***‏

من اين تأتي‏

هذي حصون اللهِ.. قاطبةً‏

مداميك مدماة‏

فضاءاتْ مسننةْ‏

وأنت هناكَ مطرحٌ على رمحٍ‏

وخيلٌ خلفها خيلْ تناوشني‏

وأرضى بالقصيدةِ‏

أنتَ منتشرٌ على صمتي‏

وخيلٌ خلفها خيلٌ تناجزني‏

وتقتحم الحصون‏

وأنتَ تعوي:‏

– إنها الراياتُ تمحضني الدريئة‍‍!!‏

أنت منتهكٌ كما الراياتِ‏

تبكي‏

ثم تقترحُ القبور قبائلي:‏

قبراً لأجل اللاتِ والعزّى،‏

وقبراً للمساء المرِّ،‏

قبراً للعشائر تستريح من المراثي،‏

ثمَّ قبراً للبكاء تعبتُ من ترديدِ غصتهِ‏

وقبراً لي‏

يلمُّ شتات أضلاعي‏

لأنفضَ عنكَ أسئلتي وأوجاعي‏

وأنسى أنكَ العالي.‏

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: